موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
لم يعد الإرهاق حكرًا على الجسد، ولا التعب نتيجة جهد عضلي ظاهر، بل صار العقل هو الساحة الأولى للاستنزاف في زمن الشاشات المتعددة والإيقاع المتسارع والتدفق اللامتناهي للمعلومات، حيث يعيش الإنسان حالة إنهاك ذهني صامت لا يُرى بالعين المجردة، لكنه يُقاس بتراجع التركيز وضبابية التفكير وثقل الشعور الداخلي.
هنا تتجلى متلازمة الإرهاق الرقمي كأحد أبرز أمراض العصر الخفية؛ متلازمة لا تفرض نفسها بالعنف، بل تتسلل بهدوء إلى الوعي حتى يصبح التعب هو الوضع الطبيعي، والإنهاك حالة مألوفة لا تُثير الانتباه.
يقول عالم الاجتماع الألماني هارتموت روزا إن “التسارع لم يعد مجرد سمة زمنية، بل تحوّل إلى بنية نفسية” وهذا ما يفسر كيف أصبح العقل الحديث عاجزا عن التوقف حتى في لحظات الراحة. فالعقل المتصل باستمرار لا يعرف السكون، ولا يُمنح فرصة الاسترجاع لأن كل لحظة صمت تُملأ فورا بشاشة أخرى أو إشعار جديد أو محتوى إضافي.
في هذا السياق لا يعيش الفرد ضغط العمل فقط، بل ضغط التواجد الدائم، ضغط الاستجابة السريعة، ضغط المتابعة وضغط المقارنة. حيث تتراكم الصور، الأخبار، الآراء والقصص دون أن يملك العقل الوقت الكافي لمعالجتها أو تصفيتها، فيدخل في حالة تشبّع معرفي خانق أشبه بما يسميه عالم النفس هربرت سيمون “فقر الانتباه”، حيث لا تكمن المشكلة في نقص المعلومات بل في فائضها.
و من هنا فإن الإرهاق الرقمي لا يُصيب العقل فجأة بل يتكوّن تدريجيًا. يبدأ بتشتت بسيط، ثم صعوبة في التركيز، ثم نفور من المهام التي تتطلب جهدًا ذهنيًا عميقًا كالمطالعة أو الحوار المطوّل أو التفكير التحليلي. ومع الوقت تتحول هذه الصعوبات إلى شعور دائم بالتعب الذهني، وإلى قلق داخلي غير مبرر، وإلى توتر صامت لا يجد له الفرد تفسيرا واضحا.
ويشير عالم الأعصاب دانيال ليفيتين إلى أن “العقل البشري لم يُصمَّم للتعامل مع هذا الكم الهائل من المنبهات المتزامنة”، فالتنقل المستمر بين التطبيقات والرسائل والمحتويات… يستهلك الطاقة المعرفية نفسها التي يحتاجها الدماغ للتفكير العميق واتخاذ القرار. وهكذا يجد الإنسان نفسه مرهقا دون أن ينجز فعليّا ما يشعر أنه أنجزه.
الأخطر من ذلك أن الإرهاق الرقمي لا ينهك العقل فقط، بل يُضعف الصلة الداخلية بالذات. فالانغماس المستمر في العالم الرقمي يحرم الإنسان من لحظات الفراغ الضرورية لإعادة التوازن النفسي. ومع غياب الصمت يغيب الإصغاء للذات، وتضعف القدرة على الإحساس الحقيقي بالمشاعر فيتحول الفرد إلى كائن مشغول، لكنه غير متصل بنفسه.
وقد عبّر الفيلسوف بايونغ تشول هان عن هذه الحالة بقوله: “نحن لا نعيش عصر التعب الجسدي، بل عصر الإرهاق النفسي الناتج عن الإفراط في الإيجابية والإنجاز والتواصل”. فالإرهاق الرقمي ليس ناتجا عن القمع، بل عن فائض الحرية الظاهرية، حيث يُطلب من الفرد أن يكون حاضرا، منتجا، متفاعلا ومتاحا على الدوام.
وتزداد خطورة هذه المتلازمة حين تمس الأطفال والمراهقين في مرحلة لم يكتمل فيها نضج الدماغ بعد. فالدماغ النامي أكثر هشاشة أمام التنبيه المستمر، وأكثر عرضة لفقدان القدرة على التركيز طويل المدى، وتنظيم الانتباه، وضبط الانفعالات. وهنا لا يصبح الإرهاق الرقمي مجرد حالة عابرة، بل عاملا مهددا لبناء الشخصية والتوازن النفسي.
أما الحل فلا يكمن في شيطنة التكنولوجيا أو الدعوة إلى القطيعة معها، بل في إعادة بناء علاقة واعية مع الشاشات. علاقة تُعيد الاعتبار للحدود، وللزمن البطيء، وللصمت كحاجة نفسية لا كفراغ مخيف. فالعقل كما يؤكد علماء النفس لا يستعيد عافيته بكثرة النوم فقط، بل بوجود فترات حقيقية من الانفصال الذهني، حيث لا يُطالَب بالاستجابة ولا بالمقارنة.
إن الإرهاق الرقمي ليس ضعفا فرديا، ولا خللا شخصيا، بل نتيجة مباشرة لأسلوب حياة فقد توازنه بين الاتصال والانسحاب، بين السرعة والتأمل، بين الظهور والاختفاء. وحين نستعيد حقنا في التوقف، في الصمت، وفي الوعي البطيء، نمنح العقل فرصة ليلتقط أنفاسه، وتمنح الروح مساحة لتستعيد حضورها.
وفي زمن تُقاس فيه القيمة بسرعة الرد، وكثافة الظهور، وعدد المتابعين، يصبح الانسحاب الواعي فعل مقاومة هادئة، وفعل نضج نفسي.
فالهدوء ليس تراجعا عن العالم، بل عودة إلى الذات…
حيث يبدأ الشفاء الحقيقي من الإرهاق الرقمي.
قم بكتابة اول تعليق