متلازمة الانطفاء بعد الارتباط: لماذا نفقد الشغف فجأة؟

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

في البدايات يبدو كل شيء مشعّا، الكلمات تتدفق، الاهتمام مكثف والشغف يملأ المساحة بين شخصين يكتشفان بعضهما بشغف طفولي. ثم فجأة أو تدريجيا يحدث ما لا يُقال: يخفت الضوء، تقلّ الرسائل، يصبح القرب عبئا بدل أن يكون طمأنينة. لا خلاف واضح، لا حدثا صادما، فقط… انطفاء.
هذه الظاهرة التي باتت تتكرر في العلاقات العاطفية الحديثة يُطلق عليها في علم النفس العلائقي: متلازمة الانطفاء بعد الارتباط.

تحديد المفهوم: بين الفتور الطبيعي والانطفاء المرضي.

من المهم بداية التمييز بين الفتور العاطفي الطبيعي والانطفاء ذي الطابع المرضي.
فالفتور مرحلة انتقالية تمر بها أغلب العلاقات طويلة الأمد، نتيجة تراجع شحنة الإثارة البيولوجية، وهو أمر متوقع وصحي.
أما الانطفاء بعد الارتباط فيتميّز بـ:
* تراجع مفاجئ أو غير مفسَّر في الاستثمار العاطفي
* انسحاب نفسي قبل أن يكون سلوكيا
* صعوبة أو عجز عن التعبير اللفظي عمّا يحدث داخليا

فنحن هنا لا نتحدث عن “ملل”، بل عن آلية نفسية دفاعية.

الارتباط بوصفه مُثيرا للقلق.

في المقاربات النفس-دينامية يُنظر إلى الارتباط ليس فقط كعلاقة، بل كـحدث نفسي يعيد تنشيط الذاكرة الانفعالية المبكرة.
فالالتزام يستحضر أحداث مخزنة في اللاوعي:
* علاقة الطفل بمقدمي الرعاية
* خبرات الأمان أو الحرمان
* أنماط القرب والانفصال الأولى

وبالنسبة لبعض البنى النفسية يتحول الارتباط من وعد بالأمان إلى مصدر قلق وجودي، لأن القرب الطويل يهدد توازنهم الداخلي القائم على المسافة.

أنماط التعلّق: الإطار التفسيري الأوضح.

تشير أبحاث نظرية التعلّق (Bowlby Ainsworth) إلى أن: أصحاب التعلّق الآمن ينجحون في الانتقال من الشغف إلى الاستقرار، بينما يُظهر أصحاب التعلّق التجنبي ميلا للانسحاب فور تصاعد القرب. ويعيش أصحاب التعلّق القلق خوفا مضاعفا من الانطفاء والهجر.
أما في حالة الانطفاء بعد الارتباط فيكون الطرف المنسحب غالبا ذا تنظيم وجداني تجنبي، حيث يُنظر إلى الاعتماد المتبادل كتهديد لا كقيمة.

الدوبامين أم الحب؟ إعادة قراءة الشغف.

مرحلة البدايات تكون مشبعة بنشاط الدوبامين المرتبط بالتوقع، المفاجأة والمكافأة.
وحين تستقر العلاقة ينتقل الجهاز العصبي تدريجيا نحو هرمونات الارتباط (الأوكسيتوسين) الأقل إثارة والأكثر عمقا.
لكن بعض الأفراد يخلطون بين الحب والإثارة ويختبرون هدوء العلاقة كفقدان للمشاعر. فيُفسَّر الاستقرار خطأً كـ”انطفاء”، بينما هو في الحقيقة دعوة إلى مستوى أعمق من العلاقة.

الخوف من الانكشاف: حين يسقط القناع.

بعد الارتباط تسقط الأقنعة حيث لا يعود الإعجاب مشروطا بالأداء، ولا الاهتمام مضمونا بالمفاجأة.
وهنا يظهر الخوف الحقيقي في أن يُرى الفرد كما هو، لا كما أراد أن يُحبّ. فيختار بعضهم الانسحاب بدل مواجهة هذا الانكشاف الوجودي.

الانطفاء كحل داخلي لا واع.

من منظور التحليل النفسي يُمكن فهم الانطفاء بوصفه حلا نفسيا وقائيا لتجنب ألم متخيَّل.
فالانسحاب المبكر يُشعر الفرد بسيطرة وهمية على الخسارة بدل انتظار فقد مؤلم قد يتكرر كما في الماضي.

الأثر النفسي على الطرف الآخر.

فالطرف الذي يُترك في صمت دون تفسير يواجه تصدعا في الثقة الذاتية، ميلا للجلد الداخلي وأحيانا إعادة تمثيل لجراح هجر سابقة.
وهنا يتحول الانطفاء من تجربة فردية إلى حدث صادم علائقيا، خاصة حين يُقابَل بالصمت أو التبرير الغامض.

البعد السوسيونفسي: علاقات بلا تدريب عاطفي.

في المجتمعات الحديثة يُشجَّع الأفراد على البحث عن الحب، لا تعلّم مهارات الحفاظ عليه. فنحن نتقن البدايات ونفشل في الاستمرارية، ويُعاد إنتاج متلازمة الانطفاء في سياق ثقافة تمجّد الاستبدال السريع وتخشى العمق.

نحو كسر النمط: من التكرار إلى الوعي.

كسر هذه المتلازمة لا يكون بتغيير الشريك بل بتغيير علاقة الفرد بذاته، فهمه لتاريخه العاطفي وقدرته على تحمل القرب دون ذعر.
العلاج النفسي هنا لا يعالج “العلاقة” بل البنية النفسية التي تخاف من الاستمرار.

متلازمة الانطفاء بعد الارتباط إذن ليست نهاية الحب بل بداية سؤال لم يُطرح بعد.
فمن لم يتعلّم أن الأمان لا يُلغِي الحرية، سيظل ينسحب كلما اقترب الحب من صورته الحقيقية.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد