موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
حين يتعلم الطفل لأن عينيه تتلألآن شغفا، لا لأن أحدا وعده بهدية، نكون أمام طاقة خفية أقوى من كل أنظمة الحوافز: إنها الرغبة في التعلم من أجل التعلم نفسه. تلك الشعلة التي تتقد في الداخل لا تحتاج تصفيقا ولا تقييما لتضيء.
لكن ما الذي يجعل بعض المتعلمين يتحركون بدافع ذاتي، فيما لا يتحرك آخرون إلا بدفعٍ خارجي؟ وهل يمكن حقا صناعة دافعية داخلية تُبقي المتعلم شغوفا حتى في غياب الجوائز والدرجات؟
أولا: جوهر الدافعية بين الداخل والخارج
يُفرّق علم النفس التربوي بين نوعين من التحفيز:
التحفيز الخارجي الذي يقوم على الحوافز المادية أو المعنوية كالثناء أو العقاب أو المكافأة.
التحفيز الداخلي الذي يتولد من الرغبة في النمو والاكتشاف وتحقيق الذات.
ويشبّه الباحث إدوارد ديسي (Edward Deci) التحفيز الداخلي بوقودٍ ذاتي لا ينفد، بينما التحفيز الخارجي ببطارية تحتاج إلى شحنٍ دائم. فحين يتعلّم الفرد لأنه يستمتع بالفعل ذاته يصبح التعلم عادةً وجدانية أكثر منه واجبا.
ثانيا: حين تُختزل الدافعية في النتيجة
تحوّل التعليم في كثير من الأنظمة إلى سباق نحو الدرجات، بدل أن يكون رحلة نحو الفهم.
الطالب لا يُكافأ لأنه فكر بل لأنه أجاب كما هو متوقع.
وحين تغيب قيمة السؤال لتحضر قيمة النقطة يختنق الفضول، وتذبل الرغبة في التعلم.
هنا يفقد التعلم جوهره ويصبح التحفيز الخارجي سيد الموقف.
ثالثا: خطوات نحو صناعة الدافعية الذاتية للتعلّم
1. ربط المعرفة بالمعنى الشخصي:
حين يرى المتعلم أثر ما يتعلمه في حياته، يصبح الدرس حيّا لا محفوظا. فالمعرفة التي تلامس واقعه هي التي تبقى.
2. منح مساحة للاختيار:
كلما امتلك المتعلم حرية اتخاذ القرار في طريقة تعلمه، كلما شعر بالمسؤولية تجاهه، وازداد حماسه الذاتي.
3. بناء الثقة بالقدرة:
التشجيع الواقعي، لا المديح الفارغ، يُعزّز شعور المتعلم بالكفاءة. وهو شعور ضروري لبقاء الرغبة في التقدم.
4. بيئة آمنة تحترم الخطأ:
حين يُعامل الخطأ كخطوة في طريق التعلم لا كخطيئة، يتجرأ المتعلم على المحاولة من جديد ويستمر بحثه بفضول لا خوف.
5. المعلم كمرشد لا كمصدر سلطة:
حين يتحول المعلم من ناقل معرفة إلى محفز معنى يكتسب التعلم روحا جديدة. فالمعلم الذي يزرع الأسئلة لا الأجوبة يوقظ الدافعية لا الطاعة.
رابعا: التحفيز الداخلي في ضوء علم النفس الإيجابي
تؤكد نظريات ماسلو وسيلغمان وديسي أن الإنسان يملك بطبيعته ميلا نحو التطور الذاتي.
وعندما يُستثار هذا الميل بالاحترام والتقدير الذاتي، يتحول التعلم إلى حاجة داخلية لا مجهودٍ قسري.
فالتعلم الحقيقي لا يحتاج إلى مكافأة خارجية، بل إلى بيئة تُشعر المتعلم بأنه ينمو وأن كل خطوة اكتشاف تُغنيه.
خامسا: من المدرسة إلى المجتمع
التحفيز الداخلي لا يبني متعلما متفوقا فحسب، بل يصنع إنسانا ناضجا، قادرا على اتخاذ قراراته ومواصلة التعلم مدى الحياة.
أما الاعتماد الدائم على الحوافز الخارجية فيخلق أفرادا يتوقف عطاؤهم حين تتوقف المكافآت.
التعلم شغف لا سباق
أن نعلّم أبناءنا حبّ التعلم لا حبّ التفوق فحسب، هو أن نمنحهم القدرة على الاستمرار في رحلة الحياة دون انتظار من يصفق لهم.
فمن يتعلم لأنه يريد، لا لأنه مُجبر يظلّ متوهجا حتى حين يخفت التصفيق.
تلك هي الدافعية الذاتية: نهرٌ لا يُرى من الخارج، لكنه يسقي كلّ ما في الداخل من رغبة في النمو والاكتشاف.
قم بكتابة اول تعليق