موند بريس / بقلم: د. سعاد السبع
في زمن تتسارع فيه الخطى نحو الذات، حيث صار «الأنا» مركز العالم، و«المصلحة» بوصلته الكبرى تغيب عن الأفق قيم كانت تشكل روح الإنسانية في التربية: الامتنان والتسامح.
إنها قيم لم تعد تُدرّس في المناهج فقط، بل تحتاج أن تُمارس في البيوت والقلوب لأن العالم الذي أفرط في تمجيد الفردانية، بات في حاجة إلى من يذكّره بأن الإنسان لا يكتمل إلا بالآخر.
الفردانية… حين يُختزل الوجود في الذات
لم تكن الفردانية يوما نقيضا للحرية، لكنها حين تتضخم وتتحول إلى فلسفة حياة، تخلق إنسانا منغلقا على حاجاته، متوجسًا من العطاء ورافضا للاختلاف.
يقول أحد الفلاسفة: “حين يصبح الإنسان مرآته الوحيدة يفقد القدرة على رؤية الجمال في الآخرين”، وهذا ما نراه اليوم في أنماط التنشئة الجديدة التي تميل إلى تربية “الطفل المتفوق” لا “الطفل الإنسان”، الطفل الذي يُربّى على تحقيق ذاته لا على مشاركة غيره.
تتحول المدرسة والبيت إلى فضاءين يغذيان روح المنافسة بدل روح المشاركة، ويغدو النجاح الفردي مقياس القيمة لا الأثر الجماعي. وهنا تتسلل الأنانية في صمت إلى الوعي التربوي فتُصاغ شخصيات قوية في المظهر، هشّة في الداخل، غير قادرة على الامتنان أو التسامح، لأنهما يتطلبان اعترافا بالآخر ووعيا بحدود الذات.
الامتنان… تربية على رؤية النعمة قبل النقص
الامتنان ليس مجرد “شكر”، بل هو حالة وعي تربوي عميقة ترى الخير فيما تملك بدل التذمر مما تفتقد.
حين نربّي أبناءنا على الامتنان فإننا نزرع فيهم قدرة على التوازن الداخلي، وعلى مقاومة ثقافة “الاستحقاق المفرط” التي تجعل الإنسان يرى في كل شيء حقا مكتسبا، لا عطية تستحق التقدير.
التربية على الامتنان تبدأ من التفاصيل الصغيرة:
أن يشكر الطفل من أعدّ له وجبته، أن يعترف بالمجهود لا بالنتيجة فقط، أن يتعلم أن الامتنان ليس ضعفا، بل وعيا بالفضل وتواصلا إنسانيا راقيا.
وقد أظهرت دراسات علم النفس الإيجابي أن ممارسة الامتنان المنتظم تُخفض معدلات القلق والاكتئاب، وتعزز الشعور بالرضا عن الحياة، لأنها تُعيد تشكيل نظرة الإنسان للعالم من زاوية النعمة لا الحرمان.
التسامح… وعي لا يُختزل في النسيان
أما التسامح فهو تربية على القوة الداخلية لا على الضعف. فالتسامح لا يعني التنازل، بل يعني التحرر من ثقل الأذى.
يقول أحد المفكرين: “من يسامح لا يبرئ الآخر فحسب، بل يبرئ نفسه من عبودية الكراهية”.
ففي الواقع يجب أن يرى الطفل نماذج حية للتسامح: بين والديه، بين المعلم وتلميذه، بين الأصدقاء. فالقيم لا تُلقّن بالكلام، بل تُكتسب بالملاحظة والممارسة.
وحين يخطئ الطفل يجب أن يجد في محيطه من يوجهه برحمة لا بإذلال، لأن التربية التي تُفرط في العقاب تزرع في النفس ضغينة خفية تعيق نمو التسامح.
وفي المدرسة يمكن للتربية البدنية والأنشطة الجماعية أن تكون مختبرا فعليا للتسامح حين يتعلم الطفل احترام المختلف والتعاون مع من لا يشبهه، وحين تُترجم القيم إلى ممارسات، لا إلى شعارات تزيّن الجدران.
في زمن الفردانية… نحتاج إلى تربية تُعيد الإنسان إلى إنسانيته
تحديات اليوم لا تكمن فقط في التكنولوجيا أو العولمة، بل في “القيم التي تتآكل بصمت”.
إن الفردانية المتطرفة تُنتج إنسانا معزولا عن ذاته رغم انغماسه في ذاته، وتُحوّل العلاقات إلى تبادل منافع لا إلى روابط إنسانية.
لهذا فإن العودة إلى قيم الامتنان والتسامح ليست ترفا أخلاقيا، بل ضرورة وجودية لإنقاذ الإنسان من اغترابه عن نفسه وعن الآخرين.
التربية على الامتنان تعلّم الطفل أن يفرح بما عنده، والتربية على التسامح تعلّمه أن يسكن بسلام مع من حوله.
بين هذين القطبين يتشكل الوعي الإنساني المتوازن الذي يدرك أن التميّز لا يُقاس بما يملك، بل بما يمنح.
حين يصبح القلب مدرسة
إنّ المدرسة الحقيقية تبدأ من القلب، من بيت يرى في العطاء قيمة لا صفقة، ومن مجتمع يعلّم أبناءه أن الامتنان هو أجمل أشكال القوة، وأن التسامح هو أرقى أنواع النضج.
ففي زمن الفردانية المفرطة تبقى التربية على القيم هي الفعل المقاوم، الفعل الذي يعيد تشكيل إنسان أكثر وعيا، أكثر قدرة على الحب وأقل خوفا من الآخر.
“التربية ليست أن نُعدّ الطفل للمستقبل، بل أن نُعيد إليه إنسانيته في الحاضر”.
قم بكتابة اول تعليق