الاتحاد الاشتراكي.. بين أوهام المنتقدين وحقيقة البناء الديمقراطي

موند بريس

22 أكتوبر 2025

مع كل محطة تنظيمية يسلكها حزب الاتحاد الاشتراكي في مسار تجديد هياكله وتطوير أدائه، تتجدد معها حملات التشويش ومحاولات إرباك مساره. لكن المثير أن أغلب هذه الأصوات لا تأتي من داخل الحزب، بل من خارجه، ومن أطراف قديمة ظلت تتربص به منذ سنوات طويلة.

فمنهم من ظل يعادي الاتحاد فكريًا وسياسيًا منذ نشأته، ومنهم من غادره طواعية حين لم تحقق طموحاته الشخصية، أو حين اختار التموقع في الصفوف الخلفية، مكتفيًا بممارسة النقد من بعيد. ورغم اختلاف مواقعهم، فإنهم يلتقون في هدف واحد: إضعاف الحزب وتبخيس عمله المنظم، عبر شعارات براقة تُخفي وراءها نزعات شخصية أو حسابات ضيقة.

ولم يكن المؤتمر الوطني الثاني عشر ولا قراراته سوى ذريعة جديدة لإطلاق هجومهم المعتاد على الحزب، هجوم يجمع بين التجريح الشخصي، وقلة الحياء، وتكرار الخطاب العدائي نفسه الذي اعتادوا ترديده كلما تقدم الحزب خطوة إلى الأمام.

بين هؤلاء من انقطع عن التنظيم منذ عقود، لكنه لا يزال يتحدث باسم الحزب، وكأن عضويته القديمة تخوله الوصاية عليه إلى الأبد. والأسوأ أنهم ينظرون باستعلاء إلى مناضلين صمدوا في الميدان أو التحقوا حديثًا بالحزب، واصفين إياهم بـ«الوافدين»، وكأن الانتماء الحزبي أصبح حكرًا على من رحلوا عنه في لحظة ضعف.

أما المفارقة الكبرى، فهي أن من يدّعون الدفاع عن «المبادئ» و«الوفاء» هم أنفسهم من يسوّقون لأسماء صعدت في المشهد السياسي بفضل المال والعلاقات، لا بفضل النضال، فقط لأنها تهاجم الاتحاد وتنتقد رموزه. وهو تناقض صارخ بين خطاب يدّعي النزاهة وسلوك يغذي الانتهازية.

وعندما ينتقدون، لا يفعلون ذلك بدافع الغيرة أو الإصلاح، بل بدافع الحقد والرغبة في تقويض كل إنجاز، خصوصًا عندما ينجح الحزب في تجاوز الخلافات الداخلية وتوحيد صفوفه. غير أن هذه المحاولات لا تجد صدى داخل البيت الاتحادي، لأن مناضليه يملكون من الوعي ما يجعلهم ينحازون إلى البناء لا الهدم، وإلى المستقبل لا الماضي.

لقد جسّد الاتحاد ذلك عمليًا في مؤتمراته الإقليمية والوطنية الأخيرة، حيث ساد النقاش المسؤول وروح التجديد، وتم التأكيد على استقلالية القرار الحزبي ورفض كل أشكال الوصاية أو الإملاء الخارجي.

وبفضل تلاحم مناضليه وإرادتهم الجماعية، استطاع الحزب أن يتجاوز مرحلة التشتت، ويستعيد عافيته التنظيمية والسياسية، ليعود إلى موقعه الطبيعي كقوة اقتراحية مؤثرة في المشهد الوطني. ويكفي أن نذكر الحضور الوازن للقيادات السياسية والنقابية وممثلي المجتمع المدني في مؤتمراته الأخيرة، وما ميزها من نقاش راقٍ ومسؤول، لندرك أن الاتحاد عاد فاعلًا ومبادرًا، لا تابعًا.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:

هل نريد اتحادًا يدار بعقلية الماضي والوصاية؟ أم حزبًا حديثًا، ديمقراطيًا، متجددًا، يصنع مستقبله بإرادة مناضليه الأوفياء؟

الاتحاد الاشتراكي اليوم لا يُقاس بالصوت العالي، بل بالفعل الجاد. ولا يُقوّم بالحملات الموسمية، بل بقدرته على الاستمرار في العطاء، وترسيخ قيم الديمقراطية والاستقلالية التي تأسس عليها.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد