الأم العاملة بين الشعور بالذنب وتوازن الأدوار الأسرية

موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع

حين تتقاطع الأدوار وتتقاسم الأنثى ذاتها
في زمن تتسارع فيه الإيقاعات، تبدو الأم العاملة وكأنها تسير على حبل مشدود بين عالمين:
عالم يتطلب منها الصرامة والانضباط والكفاءة المهنية، وآخر يستدعي منها الحنان والاحتواء والعطاء اللامشروط.
وبينهما تتنازعها ثنائية متعبة: الإنجاز المهني من جهة، ونداءات الضمير الأمومي من جهة أخرى.
فكل صباح تودّع أبناءها على عجل، وهي تخفي خلف ابتسامتها صوتا داخليا يهمس بالذنب: “هل سأكون أمّا جيدة رغم غيابي؟”، وكل مساء تعود محمّلة بأعباء العمل لتواجه متطلبات البيت والمشاعر الصغيرة التي تنتظرها. إنها باختصار تعيش صراعا نفسيا صامتا بين أن تكون كما يريدها العالم أو أن تكون كما تحتاج نفسها.

العمل كضرورة لا كترف

لقد تغيّر موقع المرأة في المجتمع الحديث جذريا، فلم يعد عملها مجرّد خيار شخصيّ أو وسيلة لإثبات الذات، بل أصبح في كثير من الحالات ضرورة اقتصادية واجتماعية ونفسية.
فالتحولات الاقتصادية، تزايد تكاليف المعيشة وتنامي الوعي بحقوق المرأة جعلت من عمل الأم ركيزة لاستقرار الأسرة أكثر مما هو خروج عن أدوارها التقليدية.
لكن رغم هذا التحول الإيجابي، ما زال الخطاب الاجتماعي التقليدي يحاصر الأم العاملة في أسئلة مكرّرة:
هل يمكنها أن تنجح في كليهما؟
هل سيعاني أطفالها من غيابها؟
هل يمكن للحنان أن يتجزأ؟
تلك الأسئلة في جوهرها ليست بريئة، لأنها تحمل افتراضا مسبقا بأن العمل ينتقص من الأمومة، في حين أن الواقع أثبت أن كثيرا من الأمهات العاملات قادرات على إعادة تعريف الأمومة وفق منظور جديد يقوم على التوازن لا التفرغ الكامل.

الشعور بالذنب الأمومي: آلية نفسية معقّدة

من منظور علم النفس الاجتماعي يُعتبر الشعور بالذنب أحد أبرز المكونات الوجدانية في تجربة الأم العاملة.
فهو شعور مزدوج: ذنب تجاه الأبناء بسبب الغياب أو التقصير المفترض. وذنب تجاه الذات لأنها لا تفي بكل التزاماتها المهنية بالكمال المطلوب.
وتصف الباحثة نانسي شودورو (Nancy Chodorow) هذا الشعور بأنه “نتاج البناء الاجتماعي للأمومة”، أي أن المجتمع يزرع في وعي المرأة نموذجا مثاليا للأم يجب أن تكون دوما متاحة، صبورة ومضحية.
وحين تعمل المرأة وتغيب لساعات تصطدم بهذا النموذج المثالي الذي يستحيل تحقيقه، فتشعر بالتنافر المعرفي بين ما هي عليه وما يُنتظر منها أن تكونه.
ويشير علم النفس الإكلينيكي إلى أن هذا التنافر يولّد توترا دائما يمكن أن يظهر في صورة قلق أو إجهاد أو إحساس بعدم الكفاية، وهو ما يسميه بعض الباحثين “متلازمة الذنب الأمومي”.
إنها حالة من الانهاك العاطفي المتخفي لا يلحظه الآخرون بسهولة، لأنها تتقن التوازن الظاهري بينما تتآكل في الداخل بين رغبتين متعارضتين: العطاء للآخرين وتحقيق الذات.

الأدوار الاجتماعية وتكلفة التوازن

المقاربة السوسيونفسية تبرز هنا بجلاء: فالأم العاملة لا تعاني فقط من ضغوط داخلية، بل من إكراهات بنيوية في المحيط الاجتماعي.
فهي تُطالب أن تكون موظفة مثالية في فضاء عمل لا يراعي أحيانا خصوصيتها الأسرية، وأمّا حاضرة في بيت لا يخفف عنها وطأة التعب.
وبين الدورين تتضاعف ساعاتها النفسية: فهي تعمل في الخارج ثم تعمل في الداخل.
وقد أشارت الباحثة Arlie Hochschild إلى مفهوم “الورديّة الثانية” (The Second Shift) أي العمل الخفي الذي تمارسه النساء في بيوتهن بعد انتهاء عملهن الرسمي، وهو ما يفسر ارتفاع نسب الاحتراق النفسي والإنهاك العاطفي لدى الأمهات العاملات مقارنة بغيرهن.

إن التوازن الذي يُطلب من الأم ليس مجرّد قدرة تنظيمية، بل هو حالة نفسية مركّبة تتطلب دعما مؤسساتيّا (من جهة العمل)، وأسريّا (من الشريك)، واجتماعيّا (من الوعي الجماعي).
فلا يمكن للأم أن تحقق الانسجام بين أدوارها في مجتمع لا يعترف بمجهودها المزدوج.

الدعم الأسري والمجتمعي كعامل حماية نفسي

تشير الدراسات الحديثة إلى أن الأمهات اللاتي يحظين بدعم من أزواجهنّ وأسرهنّ وأماكن عملهنّ يتمتعن بصحة نفسية أفضل، وبقدرة أكبر على إدارة التوازن بين العمل والبيت.
الدعم هنا لا يعني المساعدة المادية فقط، بل يشمل التفهّم، التشجيع وإعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة.
فعندما يتحول الأب من “مشاهد” إلى “شريك فعلي” يتراجع الإحساس بالذنب لدى الأم ويصبح العمل تجربة مشتركة لا عبئا شخصيا.

إن التوازن الأسري الحديث لا يقوم على تقسيم صارم للأدوار، بل على المرونة والتفاهم والتناوب، وهي قيم جديدة ينبغي أن تُزرع في الوعي الجمعي منذ مرحلة التربية.
فالأبناء الذين يرون أمًّا عاملة متصالحة مع ذاتها، متوازنة، مسؤولة ينشؤون بدورهم على احترام الجهد، وفهم معنى الاستقلال، والإحساس بقيمة الوقت والعطاء.

انعكاس العمل على هوية الأم وأبنائها

من الخطأ حصر عمل الأم في بعده الاقتصادي فقط، فله أيضا بعد نفسي تربوي عميق.
فالأم العاملة تمنح أبناءها نموذجا واقعيا للمرأة القادرة على الجمع بين العاطفة والكفاءة، بين الحنان والمسؤولية.
إنهم يتعلمون من خلالها أن النجاح لا يعني الغياب، وأن الحب لا يُقاس بعدد الساعات بل بنوعية الحضور.

وقد أظهرت أبحاث علم النفس الإيجابي أن أبناء الأمهات العاملات يتمتعون غالبا بقدر أعلى من الاستقلالية والمرونة الاجتماعية والقدرة على التكيف، لأنهم يرون في أمهاتهم قدوة في التنظيم والمثابرة.

من جهة أخرى، يشكل العمل لدى الأم موردا نفسيا مهما فهو يمنحها شعورا بالإنجاز والهوية الذاتية مما يرفع من تقديرها لذاتها، ويجعلها أكثر استقرارا في دورها الأمومي. فالمرأة التي تشعر بالامتلاء الداخلي قادرة على منح الحب بصفاء دون استنزاف أو استغراق في الشعور بالتقصير.

نحو ثقافة جديدة للأمومة والعمل

تحتاج المجتمعات العربية اليوم إلى إعادة تعريف الأمومة بعيدا عن الصورة النمطية التي تربطها حصريا بالتفرغ.
فالأمومة ليست نقيض العمل، كما أن العمل ليس خصما للأمومة. إنهما وجهان لإنسان واحد يبحث عن التحقق في دوائر متعددة.

من هنا يصبح واجب المؤسسات والسياسات العمومية أن تهيّئ بيئة حاضنة للأمهات العاملات من خلال:

* مرونة أوقات العمل.
* توفير حضانات في أماكن العمل.
* تشجيع نماذج الشراكة الأسرية بدل التقسيم الجندري للأدوار.

إن المجتمع الذي يدعم الأم العاملة هو مجتمع يستثمر في الصحة النفسية للأجيال القادمة، لأن الاستقرار النفسي للأم هو الأساس الذي تُبنى عليه توازنات الأسرة برمّتها.

نحو أمومة متصالحة مع الذات

في نهاية المطاف ليست الأم العاملة امرأة مشتّتة كما يظن البعض، بل هي امرأة تخوض رحلة نضج إنساني بين متطلبات الخارج واحتياجات الداخل.
هي لا تبحث عن الكمال، بل عن توازن واقعيّ يليق بإنسانيتها.
تدرك أن لكل اختيار كلفة لكنها تؤمن أن العمل لا ينتقص من الحب، وأن الحضور النفسي أعمق من الحضور الزمني.
تقول الكاتبة مايا أنجلو:
“الأم العاملة لا تملك وقتا كافيا، لكنها تملك قلبا يتّسع للكل.”
في قلب هذا الصراع النبيل تولد الأم العاملة كل يوم من جديد، تستيقظ على وجع جميل اسمه المسؤولية، وتنام على إحساس عميق بالجدوى
لأنها تدرك أن الحياة ليست أن تقوم بكل شيء في وقت واحد، بل أن تكون كلها في كل لحظة.

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد