الامتنان كعلاج نفسي: هل الشكر يعيد التوازن؟

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

في زمن تتسارع فيه الضغوط وتزداد فيه المقارنات يبحث الإنسان عن طمأنينة داخلية تحفظ له اتزانه. وقد بدا لعلم النفس الإيجابي أن كلمة بسيطة مثل “شكراً” قد تحمل في طياتها طاقة علاجية أعمق مما نتصور. الامتنان في جوهره ليس مجرد سلوك اجتماعي مهذب، بل آلية نفسية تعيد تنظيم العاطفة وتعيد للنفس اتزانها في مواجهة القلق والتوتر.

الامتنان في التحليل النفسي

يرى بعض المحللين أن الامتنان يكسر حلقة “النقص المستمر” التي تطارد الإنسان. فمن طبيعة النفس أن تتوق دائما إلى المزيد، فلا تشبع أبدا. هنا يأتي فعل الامتنان ليعيدها إلى الحاضر فيجعلها ترى ما لديها بدلا من ما تفتقده.
في لغة فرويدية يمكن اعتبار الامتنان لحظة توفيق بين “الهو” المتطلب باستمرار و”الأنا الأعلى” المثقل بالواجبات. إنه مساحة داخلية من التصالح تُشعر الفرد بأنه ليس مضطرا للركض دائما خلف ما ينقصه.

التأثيرات العصبية والبيولوجية

الدراسات الحديثة في علم الأعصاب أثبتت أن ممارسة الامتنان بشكل منتظم – عبر كتابة يومية لأشياء نشعر بالامتنان لها مثلا – تؤدي إلى تنشيط مناطق في الدماغ مرتبطة بالمكافأة والرضا. كما أنها تقلل من إفراز هرمونات التوتر (الكورتيزول) وتزيد من مستوى هرمون السيروتونين والدوبامين، وهما المرتبطان بالشعور بالسعادة.
بمعنى آخر الامتنان ليس مجرد حالة وجدانية، بل عملية بيولوجية تُعيد للجهاز العصبي توازنه تماما كما يفعل التأمل أو الاسترخاء.

البعد السوسيولوجي: الامتنان كنسيج اجتماعي

من الناحية الاجتماعية فالامتنان يعمل كغراء للعلاقات الإنسانية. حين يُعبّر الفرد عن شكره فإنه يعزز مشاعر الثقة والتعاون ويكسر حلقة الفردانية الباردة. ففي المجتمعات التي يُعزّز فيها الامتنان يكون مستوى التماسك الاجتماعي أعلى وتقل مظاهر العنف والتوتر.
واللافت أن غياب الامتنان لا يترك فقط فجوة نفسية، بل يولّد فراغا اجتماعيا أيضا. فالشعور بأن الآخر لا يُقدّر عطائك يخلق في النفس مرارة قد تتحول إلى انسحاب أو صراع.

الامتنان كآلية لمواجهة القلق

القلق غالبا ما ينشأ من التركيز على ما ينقصنا أو ما نخشى فقدانه. هنا يأتي الامتنان كعلاج مضاد، لأنه يُحول الانتباه إلى ما هو موجود فعلا. وكأن الامتنان يقول للقلق: “نعم قد أخسر شيئاً في المستقبل، لكنني الآن أملك ما يستحق التقدير.”
هذه القدرة على إعادة توجيه الانتباه تُعيد للفرد توازنه النفسي وتمنحه شعورا بالامتلاء الداخلي.

بين الوهم والحقيقة: هل يكفي الامتنان وحده؟

قد يبدو الامتنان حلا سحريا، لكن من المهم التمييز بين الامتنان الأصيل والتواطؤ مع الألم. فالتظاهر بالشكر رغم المعاناة العميقة قد يتحول إلى إنكار للمشاكل بدل مواجهتها. الامتنان الحقيقي لا يعني إنكار الألم، بل الاعتراف بوجود ما يستحق التقدير رغم حضوره.
كما أن الامتنان ليس بديلا عن العلاج النفسي في حالات الاضطراب العميق، لكنه يُعدّ أداة مساعدة فعالة تُمهد الطريق للتعافي.

خلاصة

الامتنان ليس مجرد كلمة لطيفة نرددها، بل ممارسة يومية تعيد للنفس توازنها. جرب أن تكتب كل مساء ثلاثة أشياء صغيرة تشعر بالامتنان لها: ابتسامة عابرة، صديق مخلص أو حتى شروق شمس هادئ. ستكتشف أن الشكر ليس فعلا للآخر أو لله فقط بل دواء للذات أولا.

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد