موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
قد يبدو فقدان الشغف مجرد فتور عابر، لكنه في العمق جرح خفي يطفئ منابع الحياة الداخلية، ويترك الإنسان في مواجهة ذاته عاريا من كل معنى. إنّه لحظة انطفاءٍ صامتة، حين يتوقف المحرك الوجداني الذي كان يدفعنا إلى الاستمرار، إلى الحلم، إلى المحاولة…
يصف عالم النفس فيكتور فرانكل الشغف بأنه “ذلك الدافع الداخلي الذي يربط الإنسان بغاية أكبر من ذاته”. وحين يغيب هذا الدافع تتحول الأيام إلى تكرار آليّ تُؤدَّى فيه الأدوار دون حضور حقيقي للنفس. هنا يصبح الإنسان –كما يقول أحد الفلاسفة– “شاهدا على حياته لا مشاركا فيها”.
البعد النفسي: حين يترهل المعنى
من منظور نفسي يرتبط فقدان الشغف ارتباطا وثيقا باضطرابات المزاج والاحتراق النفسي. الفرد الذي يعيش دوامة الروتين والضغط المستمر قد يفقد تدريجيا متعة الإنجاز. تتلاشى الدوافع الداخلية فيُستبدل الإبداع بالجمود والفضول باللامبالاة.
وقد بيّن الباحث إدوارد ديشي أنّ “الدافع الداخلي يتغذى من ثلاثة عناصر: الشعور بالاستقلالية، الكفاءة والانتماء”، وعندما تغيب هذه المرتكزات يذبل الشغف كما تذبل زهرة حُرمت من الضوء.
البعد الاجتماعي: سياق يسرق المعنى
لا يقتصر الأمر على العوامل الفردية بل يمتد إلى البنية الاجتماعية والثقافية. ففي زمن تُختزل فيه القيم في الاستهلاك والمظاهر يصبح البحث عن المعنى مهمة شاقة. تضغط الأسرة أحيانا بتوقعاتها ويقيس المجتمع النجاح بمعايير سطحية، فتُسحق الرغبات الأصيلة تحت وطأة “ما يجب” بدل “ما أريد”.
ويُشير عالم الاجتماع زيغمونت باومان إلى أنّ “الإنسان المعاصر يعيش في زمن السيولة حيث تتغير القيم بسرعة تفوق قدرة الروح على التكيف”، وهنا يتآكل الشغف لأن الأرضية التي يرتكز عليها تفقد ثباتها.
فقدان الشغف بين التكيف والتمرد
حين يخبو الشغف ينقسم الأفراد إلى مسارين:
* من يستسلم فيغدو سجينا للعادة ويكتفي بالحد الأدنى من العيش.
* ومن يختار المواجهة فيعيد بناء علاقته بذاته ويبحث عن معنى جديد يبعث فيه شرارة الحياة.
وهنا تتجلى مقولة ألبير كامو: “في منتصف الشتاء، اكتشفت أن في داخلي صيفا لا يُقهر”. فحتى في لحظة انطفاء الشغف يمكن أن يولد من عمق الانكسار باعث جديد للحياة.
نحو استعادة الضوء
الطريق إلى استعادة الشغف ليس وصفة سريعة، بل رحلة وجودية تتطلب:
1. إعادة الاتصال بالذات: الإصغاء لصوت الداخل بعيدا عن ضوضاء التوقعات الاجتماعية.
2. تغذية الروح بالتجارب: السفر، القراءة، الفن… بوصفها منافذ لتجديد المعنى.
3. العلاقات الداعمة: لأن الشغف يحتاج إلى بيئة تُؤمن بالإنسان لا تستهلكه.
4. إعادة تعريف النجاح: من مقياس اجتماعي ضيق إلى تجربة شخصية أصيلة.
خاتمة
فقدان الشغف ليس نهاية الطريق، بل إشارة إنذارية إلى أنّ الروح تطالب بمسار جديد. يقول جلال الدين الرومي: “لا تجلس ساكنا، اخرج وابحث عن نبع حياتك”.
إنها دعوة لإعادة إشعال النار الداخلية والعودة إلى الحياة بعيون تلمع من جديد.
قم بكتابة اول تعليق