متلازمة الإثنين: حين تبدأ الأسبوع بثقل لا بطاقة

موند بريس/  بقلم: دة.سعاد السبع

مع بداية كل أسبوع، يتكرر المشهد ذاته في أروقة المكاتب: وجوه متعبة، أكواب قهوة أكبر من المعتاد وصمت يثقل الجو. إنها ما يُعرف في علم النفس العملي بـ “متلازمة الإثنين” (Monday Blues) وهي حالة من الفتور المزاجي، من الضغط النفسي ومن التراجع المؤقت في الحافزية تصيب الموظفين عند العودة إلى العمل بعد عطلة نهاية الأسبوع.

يصف عالم النفس الأمريكي أندرو جرينبيرج هذه الظاهرة بقوله: “الإثنين ليس يوما سيئا بطبيعته، بل هو المرآة التي تعكس ما نشعر به تجاه حياتنا المهنية”.

خلفية نفسية للظاهرة

تفسر الأبحاث النفسية أن سبب الشعور بالضيق صباح الإثنين يعود إلى ما يسمى بالانتقال المزاجي الحاد، حيث يواجه العقل فجأة تحولا من نمط الاسترخاء في العطلة إلى نمط الالتزامات المهنية. هذا التحول يخلق حالة شبيهة بـ “صدمة التكيف” قصيرة المدى.

وفي دراسة أجرتها جامعة ملبورن سنة 2022، تبين أن 78% من الموظفين أقرّوا بأن إنتاجيتهم صباح الإثنين تقل بنسبة ملحوظة مقارنة ببقية أيام الأسبوع، بينما أشار 46% منهم إلى أنهم يشعرون بقلق وتوتر أكبر في أول يوم عمل بعد العطلة.

كما أن الساعة البيولوجية تلعب دورا مهما، حيث يؤدي السهر في عطلة نهاية الأسبوع إلى اضطراب دورة النوم، مما يجعل الاستيقاظ المبكر يوم الإثنين أكثر صعوبة ويعمّق الشعور بالإرهاق.

البعد العاطفي والدافعية

من منظور التحليل النفسي يعكس نفور الموظف من الإثنين ضعف ارتباطه العاطفي بالعمل أو غياب الإحساس بالمعنى في ما يقوم به. وكما يقول الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو: “العمل الذي لا تجد فيه ذاتك يتحول إلى سجن منظم”.

هذا النفور قد يتفاقم في بيئات عمل تفتقر للدعم النفسي، أو في ظل ضغوط إدارية مبالغ فيها، ما يحوّل الإثنين إلى رمز ثقيل لبداية سلسلة من الإجهادات.

البعد السوسيونفسي في المجتمعات العربية

في السياق العربي تتعقّد ظاهرة “متلازمة الإثنين” بفعل مجموعة من العوامل الثقافية والاجتماعية المرتبطة بطبيعة بيئات العمل. إذ يشيع في بعض المؤسسات النمط الإداري الهرمي الصارم، ما يجعل الموظف يعيش علاقة غير متوازنة مع السلطة الإدارية، حيث يكون الدافع للعمل غالبا خارجيا (الخوف من العقوبة أو فقدان الوظيفة) لا داخليا (الحافز الذاتي أو الشغف المهني).

كما أن غياب برامج الرفاه الوظيفي وقلة الاهتمام بالصحة النفسية في بيئات العمل يفاقمان من أثر الإثنين النفسي. فبينما تُعالج الشركات العالمية الظاهرة عبر برامج “الرفاه المؤسسي” (Corporate Wellness) ما زالت كثير من المؤسسات العربية ترى في هذه الممارسات “رفاهية غير ضرورية” بدل أن تعتبرها استثمارا في الإنتاجية.

ومن منظور علم الاجتماع النفسي فإن العطلة الأسبوعية في المجتمعات العربية غالبا ما تُستنزف في التزامات عائلية واجتماعية، مما يترك مساحة محدودة للراحة النفسية الحقيقية. ونتيجة لذلك يبدأ الموظف أسبوعه الجديد بمديونية طاقية وعاطفية، ما يجعل الإثنين أكثر وطأة.

هنا يصبح من الضروري إعادة النظر في ثقافة العمل برمتها، بحيث يُعاد التوازن بين متطلبات الأداء واحتياجات الفرد النفسية، فالعمل – كما يقول المفكر مالك بن نبي – “ليس مجرد وسيلة للعيش، بل وسيلة للبناء الداخلي للإنسان”.

كيف يمكن التخفيف من متلازمة الإثنين؟

من الناحية العملية يمكن تبني مجموعة من الاستراتيجيات التي تساعد على تخفيف أثر هذه الظاهرة:

1. تعديل روتين عطلة نهاية الأسبوع بحيث لا يختلف كثيرا عن أيام العمل خصوصا في أوقات النوم والاستيقاظ.

2. تخصيص صباح الإثنين لمهام خفيفة نسبيا قبل الانخراط في الأعمال المعقدة، مما يمنح العقل وقتا للتأقلم.

3. ممارسة نشاط بدني أو ذهني ممتع قبل التوجه إلى العمل، إذ تشير الدراسات إلى أن النشاط البدني يرفع مستوى الدوبامين ويحسن المزاج.

4. إيجاد معنى في العمل عبر التركيز على الأهداف الشخصية والمهنية التي يمنحها هذا العمل، بدل النظر إليه كمجرد التزام روتيني.

الخلاصة

متلازمة الإثنين ليست مرضا نفسيا بقدر ما هي انعكاس لحالة ذهنية وعاطفية يعيشها الموظف. إدراك أسبابها ومحاولة إعادة صياغة العلاقة مع العمل يمكن أن يحوّل الإثنين من عبء ثقيل إلى بداية متجددة. وكما قال الكاتب الأمريكي مارك توين: “سر التقدم هو أن تبدأ، وسر البداية هو أن تكسر عقدة التردد”.

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد