جنون العظمة… حين تتضخم الصورة حتى تبتلع صاحبها

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

هناك مسافة دقيقة شبه شفافة بين الثقة بالنفس التي تدفع الإنسان إلى الإنجاز والوهم الذي يدفعه إلى بناء قلاع من دخان. على هذه المسافة المراوغة يقف ما يسميه علماء النفس الإكلينيكي “جنون العظمة” أو Delusions of Grandeur، وهي حالة لا تُقاس بمدى كبرياء الشخص، بل بعمق اعتقاده بأنه أكبر وأعظم وأهم مما يسمح به الواقع.

في جوهرها ليست هذه الحالة مجرد غرور أو تفاخر، بل منظومة متماسكة من الأفكار الراسخة التي يصعب زحزحتها حتى أمام الأدلة. يرى المصاب نفسه مالكا لقدرات خارقة أو ذا رسالة كونية، أو عبقريا فريدا لم يأت الزمان بمثله. ولأن المرآة هنا مائلة فإنها تعكس صورة مكبرة ومشوهة، لكنها بالنسبة لصاحبها أكثر صدقا من وجهه نفسه.

من الناحية الإكلينيكية قد تتجلى هذه الأوهام في سياق اضطرابات أخرى: كاضطراب الشخصية النرجسية، أو اضطراب ثنائي القطب في فترات الهوس أو حتى كأعراض لفصام حاد. ويشير الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5) إلى أن هذه المعتقدات تكون ثابتة نسبيا وغير قابلة للتعديل حتى عند مواجهة المريض بمعلومات مناقضة.

لكن التحليل النفسي يتجاوز القوالب الطبية. فخلف هذا البرج الشاهق من “العظمة” قد يكمن أساس هش، بل وصدوع عاطفية ممتدة منذ الطفولة. من نشأ في بيئة افتقرت إلى التقدير أو كانت شديدة النقد قد يطور عقلُه آلية دفاعية تعويضية: يرفع ذاته فوق الآخرين ليس بدافع الغرور وحده، بل لحماية ما تبقى من إحساسه بالقيمة. الأمر أشبه ببالون يُضخّمه صاحبه كي لا يلحظ أحد أنه كان في الأصل مجرد قطعة مطاطية صغيرة.

وقد لخص عالم النفس “ألفرد أدلر” الفكرة قبل قرن تقريبا حين تحدث عن “التعويض المفرط”، فكلما كان الشعور بالنقص أعمق كان دفع العقل نحو صورة متضخمة للذات أشد إلحاحا.

في الواقع الاجتماعي يخلق جنون العظمة فجوة متزايدة بين المريض وبيئته. فكل انتقاد يُفسَّر كتهديد مباشر، وكل اختلاف في الرأي يبدو كتمرد على “مكانته”، ما يدفعه إلى الانعزال أو إحاطة نفسه بمن يرددون صدى أفكاره. وهكذا تتضاءل فرص التصحيح الذاتي ويزداد ترسخ الوهم.

الدراسات السريرية تشير إلى أن التعامل مع هذه الحالة يتطلب مزيجا من العلاج النفسي المعرفي السلوكي (CBT) لإعادة بناء التصورات المشوهة، والدعم الاجتماعي الذي يوفر بيئة آمنة تسمح بطرح تساؤلات عن الذات دون خوف من الانهيار. الغاية ليست تحطيم صورة المريض عن نفسه، بل إعادتها إلى حجمها الطبيعي بحيث تتسع لاعتراف متزن بالقوة والضعف معا.

وفي النهاية فإن الخطر في جنون العظمة ليس فقط أن يصدق المرء أنه أكبر مما هو عليه، بل أن ينسى أن عظمته الحقيقية إن وُجدت، لا تحتاج إلى تضخيم. وكما تهمس الحكمة القديمة:
“من عرف قدر نفسه، فقد امتلك مجده”، لكن هذا المجد في صورته النقية لا يصرخ… بل يضيء بهدوء.

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد