عرف المغرب منذ القديم عدّة طوائف مرتبطة بطُرق صوفية . وزوايا دينية . عُرفت بأشكال متعدّدة لتربية المريدين على مواجهة ظروف الحياة والسياسة . وموالاة المخزن أو التمرّد عليه . وممارسة طقوس خاصة . بلباس رثّ ومرقعات ودرابيل . ورؤوس مقمّلة كعادة هدّاوة . وتدخين الرّگيلة والكيف والحشيشة .. وكذلك الموسيقى التي تميّز كلّ طائفة عن الأخرى .. ومنها : حمادشة وعيساوة ودرقاوة وجيلالة وگناوة والتّجانيين أصحاب العمامة الخضراء والتّسابيح العظيمة .
أمّا هدّاوَة فكانت لهم أنشطة سياسية خفية تختفي خلف مظهرهم البئيس . الذي يُظهرهم كمجانين مخابيل أو مهابيل (بوهالة) . فاقدين للعقل والبَوصلة . بينما هم في حقيقتهم عكس ذلك تماماً . حسب rené brunel : le monachisme errant en islam . Sidi haddi et les haddawas أو رُهبان الإسلام المتجوّلون سنة(1956).أي أنهم ينتسبون لسيدي هدّي دفين جبل العلم ببني عروس شمال المغرب . والذي عاش في القرن 13 ميلادي وعاصر مولاي عبد السلام بن مشيش . كما أشار قبل ذلك الباحث الفرنسي ميشو بيلير michaux -bellaire(1857/1930 سنة 1921. حين اعتبرهم ناشرين للإشاعات والأخبار الزّائفة . بواسطة جحافل طوائفهم المنتشرة في الجبال والمدن والقرى . . بحالة مُزرية وشعور مُقمّلة وملابس رثّة ومرقّعة أو ما يُسمى بالدربالة . وتدخين الرّگيلة والكيف . والنطق بمأثورات بعد “التّبويقة”: الرّگيلة دواتْ . اولاد لحرام قوات ! كما يضربون الطبول والدفوف والهراريز بإيقاع خاص بهم . وأناشيد وتراتيل هدّاوية .. لكن في نفس الوقت كان يسهل استعمالهم من طرف المخزن . وأيضاً من طرف القبائل المتمرّدة وفيما بعد الاستعمار .. وذلك لفقرهم وحاجتهم المادية . ونقص حسّهم الوطني وارتباطهم الروحي بأي منطقة .
وكان هؤلاء البوهالة المتستهبلون يفتخرون بتقديمهم خدمات جليلة للسلطان ولكل من يدفع أكثر . لقدرتهم على التخفّي ومظهرهم الذي يوحي بالجنون واللّامبالاة. مما جعل سلاطين المغرب يوظفونهم في مهامّ صعبة خاصة في القرن التاسع عشر عندما تكالبت قوى الاستعمار على البلاد . وإثارتها للنعرات القبَلية أو السيبة . وعلى رأسهم مولاي عبد الرحمان وابنه محمد الرابع وخاصةً الحسن الأول .. الذي كوّن منهم فرقة منظّمة ومدرّبة . اختارها من بين أذكيائهم . وقام بتأطيرها كبوليس سرّي أو وكالة مخابرات للتمهيد لحملاته العسكرية . ضد القبائل . خاصة في سوس والجنوب المغربي . وكذلك في مراكش وفاس . كما كان يوفر لهم كل وسائل الراحة . من طبول ودفوف وهراريز .. ووسائل التكييف من رگيلة( شيشة) وكيف .. ونفس الشيء فعله الجيلالي بوحمارة . المتمرد على المخزن في الشرق المغربي . وأيضا مولاي عبد العزيز . كما فعل الاستعمار الإسباني نفس الشيء . وأيضا الهيبة ماء العينين من الصحراء حين جمع قياد الجنوب للثورة ضد السلطان عند توقيعه لعهد الحماية . فقد كان هداوة يتقدمون الصفوف بأنغامهم الصاخبة وتراتيلهم البوهيمية ودرابيلهم المرقعة . حاثين الجيش على التقدم والزعم بقيامهم بالتباريد أو إبطال مفعول المدافع الفرنسية القوية . مما جعل القائد الفرنسي يأمر بنسفهم في الموقعة المشهورة لسيدي بوعثمان . سنة 1912 . ودخوله المظفر لمراكش . ليرحب به السكان . ويلقي أبو شعيب الدكالي السّلَفي الشّهير رسالة ترحيب بصحبة الباشا الگلاوي . نظرا للفوضى التي أشاعها القياد والصوفية . واغتصابهم نساء المواطنين بدعوى بطلان كل الزيجات المبرمة في عهد السلطان الموقع لوثيقة الحماية . وهو ما خلدته الشيخة الحوزية:
وافين أيامك آبنگرير ؟ عالقرطاس والكور يطير!
وافين أيّامك آبنگرير؟ عالغبرة والعجاج يطير!
وافين أيامك آبوعثمان ؟ هاكان موسم ولى حركة !..
ونفس الدور قاموا به لصالح الفرنسيين وبتنظيم أحسن . حين عملوا على الإبلاغ عن الثوار وأعضاء الحركة الوطنية . وهو ما دفع هذه الأخيرة لنسف زاويتهم في الشمال في بداية الخمسينات انتقاما من فعاليتهم لمساعدة الاستعمار . نفس الدور لعبه دراويش التيجانيين نسبة لسيدي احمد التيجاني. بعمائمهم الخضراء وتسابيحهم ذات الحبات الشبيهة بحبات التين التركي . ومباخرهم المدخنة التي تنبعث منها رائحة الموت عندما كانوا يمزجون بين الإشارة لوحدانية الله. وبنفس الأصبع يقومون بتحديد موقع أحد الجالسين أمام دكاكين التجار فيتلقّى رصاصة غادرة من حيث لا يدري أو يرتقب ..
قم بكتابة اول تعليق