موند بريس-: عبدالرحمان العبداوي
وسط التحضيرات الباكرة للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، تطفو على السطح ظاهرة مقلقة تستوجب وقفة تأمل ومساءلة حقيقية: جمعيات تتحول إلى أذرع انتخابية لأحزاب سياسية، بعضها يبدل الولاءات كما يبدل القمصان، في مشهد عبثي يجعل من المال وسيلة للتلون السياسي، ومن العمل الجمعوي أداة للابتزاز والتلاعب بمصير الجماعات والمقاطعات.
ليس غريبا اليوم أن يستفيق المواطن على خبر رئيس جمعية يعلن ولاءه لحزب معين، ثم لا يلبث أن يعود إلى “أصله” السياسي بعد أن قبض المقابل. هذا السلوك لا يسيء فقط إلى سمعة الفاعل المدني، بل يفقد الثقة في المجتمع المدني برمته، ويحول بعض الجمعيات إلى مقاولات للارتزاق السياسي.
الاحزاب السياسية من جهتها لا تخفي حاجتها لأذرع ميدانية تعبد لها الطريق نحو البرلمان، لكن أن يتم ذلك على حساب المال العام، وعبر جمعيات تنخرها الشبهات، بعضها يجب أن يحاسب على طريقة صرف أموال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فهنا يكمن الخطر الحقيقي على مصداقية العمل السياسي وعلى نبل الفعل الجمعوي.
لقد حذر صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في خطابه الأخير بمناسبة عيد العرش من هذه الانزلاقات قائلا:
“يتعين على الأحزاب أن ترتقي بعملها، وأن تعيد الثقة إلى المواطن، من خلال الالتزام بالمسؤولية والنزاهة، بعيدا عن المصالح الضيقة والحسابات الظرفية.”
وهو بذلك يوجه رسائل صريحة إلى من يختبئون خلف الجمعيات لتأثيث مشهد انتخابي مفصل على مقاس المصالح الشخصية.
إن واقع الحال يظهر أن بعض هذه الجمعيات لا تساهم في التنمية، بل تقتات من النزاعات داخل المجالس، وتذكي الصراعات من أجل ضمان موطئ قدم في كل محطة انتخابية. وهذا يسيء كذلك إلى باقي مكونات المجتمع المدني الجاد والمسؤول، الذي دعاه صاحب الجلالة في أكثر من مناسبة إلى أن يكون شريكا فاعلا في البناء الديمقراطي، حيث قال جلالته:
“إن المجتمع المدني شريك أساسي في تدبير الشأن العام، والمطلوب أن يتحمل مسؤولياته كاملة في احترام القانون وخدمة المصلحة العامة.”
إننا اليوم أمام مفترق طرق: إما أن نختار طريق المحاسبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بدءا من الجمعيات التي تحولت إلى أدوات انتخابية، مرورا بالأحزاب التي تستغلها للوصول إلى البرلمان، وإما أن نستسلم لعبث انتخابي قادم يقتل ما تبقى من الأمل في سياسة نظيفة. الخيار واضح… فهل من مجيب؟
(*)ملحوظة:
هذا المقال لا يستهدف الجمعيات الجادة والمواطنة التي تشتغل في صمت ونزاهة، رغم قلتها، بل يسلط الضوء على تلك التي حولت العمل الجمعوي الى وسيلة للارتزاق وخدمة اجندات سياسية ضيقة.
قم بكتابة اول تعليق