الباراسيكولوجي: بين العلم والخيال… حين تتقاطع النفس باللامرئي

  1. موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع

في عالم تتسارع فيه الاكتشافات العلمية، وتُخضع الظواهر للمجهر والتجربة ما يزال “الباراسيكولوجي” يقف على تخوم الجدل، يتأرجح بين رفض العلماء وفضول العامة، بين حدس الباحثين وحيرة الفلاسفة. فهل الباراسيكولوجي علم حقيقيّ أم وهم تلبّس ثوب الحقيقة؟ وهل يمكن للعقل أن يتجاوز قوانين المادة ليلتقط إشارات من عالم غير منظور؟

ما هو الباراسيكولوجي؟

الباراسيكولوجي أو ما يُعرف بـ”علم ما وراء النفس” هو فرع من الدراسة يُعنى بالظواهر النفسية الخارقة التي لا تجد تفسيرا في القوانين العلمية التقليدية. من بينها التخاطر، الإدراك الفائق، تحريك الأشياء ذهنيا (Psychokinesis)، والحديث عن أرواح الموتى والرؤى المستقبلية.

وقد صاغ المصطلح عالم النفس الأميركي ماكس ديسوار في أواخر القرن التاسع عشر، ليميز هذه الظواهر عن علم النفس التجريبي، قبل أن يتبنّاه لاحقًا الباحث جوزف بانك راين في جامعة “ديوك” الأميركية، ويطلق تجاربه الشهيرة في محاولة لإثبات قدرة الإنسان على التخاطر والإدراك غير الحسي.

بين العلم والأسطورة: هل يمكن قياس اللامرئي؟

يُجمع كثير من العلماء على أن الباراسيكولوجي يفتقر إلى المنهجية العلمية الدقيقة، خصوصا وأنه يعجز عن توفير نتائج قابلة للتكرار في بيئة مُحكمة، وهو أحد أهم شروط إثبات الفرضيات العلمية. لكن في المقابل لا يمكن إنكار كثافة الشهادات والتجارب الذاتية التي ينقلها أشخاص من مختلف الثقافات حول العالم، ما دفع البعض لاعتباره “علما محتملا” ينتظر أدوات جديدة لرصده.

يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو: “ما نعتبره اليوم غير معقول قد يصبح غدا من بديهيات المعرفة”. وهذا القول يُلخّص موقف الكثيرين من الباراسيكولوجي: تحفظ علمي لكن دون إغلاق باب الاحتمال.

الباراسيكولوجي بين الدين والعقل الباطن

العديد من الظواهر المرتبطة بالباراسيكولوجي تجد امتدادا لها في الموروث الديني والروحي. فمفهوم الرؤى الصادقة، الإلهام وحتى الكرامات تطرح تساؤلات عن حدود العقل وامتداد الروح. غير أن الخطورة تكمن حين يُوظف هذا المجال لتبرير الدجل أو الخرافة، أو يُستغل نفسيا لتضليل من يعانون من هشاشة نفسية أو فقدان اليقين.

من منظور علم النفس التحليلي يرى كارل يونغ أن بعض هذه الظواهر قد تكون إسقاطات من العقل الباطن حيث يتم إسقاط الرغبات المكبوتة أو المخاوف العميقة في شكل تجليات نفسية تُفسَّر على أنها قدرات خارقة.

لماذا يهتم الناس بالباراسيكولوجي؟

في زمن طغت فيه المادة وشحّت فيه الروحانيات يبحث الإنسان المعاصر عن معان تتجاوز التفسير الميكانيكي للوجود. الباراسيكولوجي يُغري النفس بتجاوز الحدود، ويمنحها الأمل بقدرات غير مستكشفة، خاصة في لحظات الألم، الفقد أو العجز.

يقول عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران: “الإنسان لا يعيش فقط بما يفهم، بل بما يتخيّل أيضا”. وهذا التخيّل هو ما يجعل كثيرين ينفتحون على الباراسيكولوجي لا كعلم دقيق، بل كإمكانية أخرى لفهم الذات والعالم.

بين الوعي واللاوعي: هل من جدوى لدراسة الباراسيكولوجي؟

على الرغم من الجدل يشكّل الباراسيكولوجي أرضا خصبة للتأمل في حدود العقل، وإمكانيات النفس البشرية. فقد يدفعنا إلى تطوير أدوات جديدة للبحث، وقد يوسّع من مفهوم “الوعي” ليشمل طبقات لم تُستكشَف بعد.

لكن من المهم ألا نقفز من الفضول إلى التصديق، ولا من الشك إلى الإنكار المطلق. فالعقل العلمي لا يُصدّق بلا دليل ولا يرفض بلا فهم.

خلاصة:

الباراسيكولوجي ليس علما دقيقا، لكنه ليس خرافة بالضرورة. إنه منطقة رمادية تتداخل فيها النفس مع ما هو غير مُدرَك، وتُطرح فيها أسئلة أكثر مما تُقدَّم أجوبة. وبين من يراه سحرا مستقبليا ومن يعدّه وهما نفسيا، يبقى الأهم أن لا نمنع العقول من التساؤل، ولا نسمح بعبور الوهم على جسور العلم.

 

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد