موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في زمن تتكاثر فيه مصادر الضغوط وتُختزل فيه الحياة في معادلات سريعة الاستهلاك والانفعال، يطفو على السطح وجهان لذات المعاناة: القلق والاكتئاب. مرضان صامتان، لا تبوح بهما الملامح دوما، لكنهما ينخران الداخل بصمت، ويعيدان تشكيل العلاقة بين الإنسان وذاته والعالم.
عندما يصير القلق رفيقا دائما
القلق لم يعد مجرد استجابة ظرفية لموقف ما، بل غدا “نمطا وجوديا”، يلاحق الإنسان في تفاصيله اليومية، يُفرغ الحاضر من طمأنينته، ويُحاصر المستقبل بتوقعات مشؤومة.
يعرّف Aaron Beck القلق بأنه “توقّع لخطر داخلي أو خارجي، يتجاوز ما هو واقعي في سياقه”، وهو بهذا يصبح مرآة لتضخم الشعور بالعجز أمام عالم متغير وسريع الزوال.
في المجتمعات الحديثة، حيث تُقاس القيمة بالإنتاجية والمكانة الاجتماعية، يتحول القلق إلى نتيجة حتمية للاغتراب النفسي، وللهاث المستمر خلف “الكمال المفقود”. يقول Zygmunt Bauman في توصيفه للعصر السائل: “لم يعد الإنسان يسكن عالما ثابتا، بل يسبح في دوامة خيارات لا تنتهي، يلاحقه فيها شبح الفشل أكثر مما يرافقه أمل النجاح”.
الاكتئاب: ظلام داخلي لا تضيئه الكلمات.
إذا كان القلق وجع المستقبل، فالاكتئاب هو ثقل الحاضر.
يصوره William Styron بأنه “ألم ذهني يفوق أي وصف جسدي، أشبه بسقوط بطيء في قاع بئر لا قرار له”.
الاكتئاب لا يعني فقط الحزن، بل هو فقدان المعنى، ضياع القدرة على التفاعل، انسحاب داخلي أمام عالم لم يعد يُرى إلا رماديا.
في المقاربة النفسية، يرى Viktor Frankl أن الإنسان حين يفقد الإحساس بالمعنى، يصبح أكثر عرضة للوقوع في دائرة الاكتئاب، خصوصا حين ينهار نظام القيم أو تفقد العلاقات الاجتماعية عمقها الإنساني.
مقاربة سوسيو-نفسية للمعاناة.
القلق والاكتئاب لا ينفصلان عن السياق الاجتماعي. فنحن نعيش في مجتمعات تعيد تشكيل الضغوط بشكل دائم:
* وسائل التواصل غذّت المقارنة المستمرة، وزرعت شعورا دائما بالنقص واللاجدوى.
* ثقافة الإنجاز ربطت القيمة الذاتية بكمية ما نحققه، لا بما نشعر به أو نحياه فعلا.
* تفكك الروابط الأسرية أفقد الفرد حاضنته الوجدانية، فصار أكثر عرضة للانهيار النفسي.
يرى عالم الاجتماع Émile Durkheim أن “الاضطرابات النفسية لا يمكن فهمها خارج البنية الاجتماعية”، وهي مقولة تستعيد راهنيتها حين ننظر في الأرقام التي تعلن أن واحدا من كل أربعة أشخاص في العالم يعاني من اضطراب نفسي، وغالبهم لا يطلب المساعدة، إما خوفا من الوصمة، أو لغياب الوعي الكافي.
نحو خطاب جديد عن الصحة النفسية.
ما نحتاجه اليوم ليس فقط علاجا دوائيا أو نفسيا، بل ثورة في الوعي الجماعي:
* إعادة تعريف القوة: أن نُقرّ بالضعف ونطلب المساعدة ليس انهزاما بل شجاعة.
* بناء مساحات آمنة للحوار والمشاركة والتعاطف دون أحكام.
* الوقاية النفسية في المدارس وأماكن العمل، لتكون الصحة النفسية أولوية لا ترفا.
كما يقول Carl Jung: “ما لا نواجهه في وعينا، يعود إلينا كقدر”. وما لم نكسر جدار الصمت حول القلق والاكتئاب، فسنواصل دفع الثمن باهظا، في صحتنا النفسية والاجتماعية والإنسانية.
قم بكتابة اول تعليق