موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
في عمق التجربة الإنسانية، تتشكل الذات كمرآة عاكسة لما نحن عليه، وما نطمح لأن نكونه. إنها تقف على تماسٍ دائم بين ما نراه في أنفسنا حقيقة، وما نودّ أن نراه من كمال متخيل. هذا التوتر الداخلي بين “الذات الواقعية” و”الذات المثالية” يُعدّ واحدا من أكثر الصراعات النفسية تعقيدا، وأكثرها تأثيرا في تشكيل السلوك البشري والمزاج ورضى الإنسان عن نفسه.
يصف كارل روجرز – أحد أبرز منظّري علم النفس الإنساني – هذا الصراع بقوله: “كلما ازداد التباعد بين الذات الواقعية والذات المثالية، ازداد شعور الفرد بالقلق والاغتراب عن ذاته.”
فالصورة الواقعية للذات هي نتاج ما نعيشه من تجارب، وما نختبره من قدرات، وما نشعر به من نقاط قوة وضعف، أما الصورة المثالية، فهي ما نتمناه لأنفسنا من كمال وصفات مُتخيّلة نعتقد أنها السبيل لتحقيق القبول الاجتماعي أو الحب الذاتي.
الذات في مرآة المجتمع
لا يمكن فهم هذا الصراع دون استحضار البعد الاجتماعي، فالمجتمع – بثقافته وقيمه ونماذجه – يلعب دورا محوريا في تشكيل الصورة المثالية لدى الأفراد. منذ الطفولة، نُقارن بغيرنا، ونُدفع إلى التميز، ونُكافَأ حين نلبس قناع “المقبول” و”المتفوّق”. ومع التكرار، تتحول هذه النماذج إلى معايير داخلية تغدو بمثابة مقصّ رقابي يقيس مدى “صحة” وجودنا. وهنا تبدأ المعاناة.
ففي العصر الرقمي، ومع سيادة ثقافة الصورة المثالية الملمعة على وسائل التواصل الاجتماعي، تتفاقم هذه الهوة. تتكرّس نماذج من النجاح الجاهز، الجمال المصفّى، الحياة المتكاملة، مما يُشعر الكثيرين بعدم الكفاية حتى في ظل إنجازاتهم الخاصة. يقول عالم النفس ألبرت إليس: “من أخطر ما يواجه الإنسان، اعتقاده بأنه يجب أن يكون مثاليا حتى يستحق الحب والاحترام.”.
عندما تصبح الذات ساحة معركة.
يتحول الإنسان في ظل هذا الصراع إلى كائن منشطر يعيش ازدواجية بين ما يُظهره وما يُخفيه، بين ما يطمح إليه وما يستطيع تحقيقه فعليا. وقد يقوده هذا التشظي إلى اضطرابات نفسية متعددة من القلق والاكتئاب إلى فقدان الثقة بالنفس، بل وحتى احتقار الذات.
ومن أبرز تجليات هذا الصراع ما يُعرف في علم النفس بـ”الاغتراب الذاتي”، حيث يشعر الفرد بأنه غريب عن ذاته، وكأن حياته تُدار من قِبل قوى خارجية، أو كأنه يؤدي دورا لا يُشبهه. ومن هنا تتولد سلوكيات تعويضية، كالإفراط في الإنجاز، أو البحث المستميت عن رضا الآخرين، أو الانسحاب والانغلاق.
نحو مصالحة داخلية.
رغم هذا الصراع المزمن، إلا أن هناك إمكانية للمصالحة مع الذات، تبدأ أولا بالاعتراف بحدودنا ككائنات بشرية لا تخلو من العيوب. فليس الهدف أن نُلغِي الصورة المثالية، بل أن نُخضِعها للمراجعة، وأن نجعلها واقعية ومتدرجة، تُلهم ولا تُرهق، تُحفّز ولا تُدمّر.
وفي هذا الإطار، يُعيد “روجرز” التأكيد على أهمية القبول غير المشروط للذات، ويقترح أن “التحول الإيجابي يبدأ حين يتوقف الإنسان عن الرغبة في أن يكون شيئا آخر، ويبدأ في قبول ذاته كما هي.”
الوعي بهذه المسافة، والعمل على تقليصها لا يكون عبر الإنكار أو القمع، بل عبر التقدير الذاتي المتوازن، وممارسة النقد البنّاء دون جلدٍ للذات.
الخاتمة
إن الذات الحقيقية ليست تلك التي تُبهر الآخرين، بل التي تتصالح مع تناقضاتها، وتحتضن ضعفها كما قوتها. فالصراع بين الصورة الواقعية والمثالية ليس قدرا محتوما، بل يمكن تحويله إلى فرصة للنمو النفسي والإنساني، حين نصغي لصوتنا الداخلي، لا لصدى التوقعات الخارجية.
وفي النهاية، “أن تكون أنت، في عالم يحاول بكل قوة أن يجعلك شخصا آخر، هو أعظم إنجاز كما قال رالف والدو إمرسون.
قم بكتابة اول تعليق