موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
كيف نصنع جيلا مُعاقا؟
مقاربة سوسيو-نفسية لظاهرة الاتكالية وتآكل روح المسؤولية لدى الناشئة.
في زمن يتسارع فيه التقدم وتزداد فيه التحديات التربوية والاجتماعية، يبرز سؤال حارق: هل نُسهم – عن وعي أو عن غير وعي – في صناعة جيل معاق نفسيا وسلوكيا؟
ليس الإعاقة هنا جسدية أو حسية، بل هي إعاقة داخلية، تتجلى في فقدان روح المسؤولية، والعجز عن اتخاذ القرار، والخوف من الاستقلال، والانغماس في الاتكالية بكل أشكالها.
المقاربة النفسية: جيل هشّ من الداخل.
تشير الدراسات النفسية الحديثة إلى أن التربية المفرطة في الحماية (overprotection) تُعد من الأسباب الرئيسية لظهور شخصية ضعيفة، مترددة، وغير قادرة على مواجهة الحياة. فالطفل الذي يُمنَع من التجريب، وتُحل له كل عقد الحياة اليومية، يُصبح مع الوقت عاجزا عن اتخاذ قرارات بسيطة، ويطوّر شعورا دفينا بأن الآخرين هم دائما من يتحمل المسؤولية عنه.
إن الإفراط في تلبية طلبات الطفل، وتغذيته المستمرة بالشعور بأنه “محور الكون” يخلق شخصية نرجسية هشة لا تتحمل النقد ولا تستوعب الفشل وتنهار بسهولة أمام أول عثرة.
المقاربة السوسيولوجية: المجتمع والبيئة الأسرية في قفص الإتهام.
من منظور سوسيولوجي، نجد أن أنماط التنشئة السائدة في مجتمعاتنا غالبا ما تعيد إنتاج قيم الاتكال والتبعية. فالأسرة التي تحتكر السلطة، والمدرسة التي تهمّش التفكير النقدي، والمجتمع الذي لا يمنح الشباب فرصة اتخاذ القرار والمشاركة في الشأن العام، كلها تساهم في إنتاج مواطن غير مبادر، وغير مؤمن بجدوى الفعل الفردي أو الجماعي.
بل إن ثقافة “اعمل كما أقول لك” و”لا تُناقش الكبار” تُفرغ الفرد من حس المبادرة، وتحوّله إلى كائن منفذ لا فاعل. وهكذا، بدلا من أن نبني مواطنا حرا، مسؤولا، ومبادرا، نصنع شخصية منقادة، تنتظر التوجيهات وتخاف من الخطأ أكثر مما تسعى إلى الإنجاز.
الإعلام والمدرسة وشبكات التواصل: صُنّاع الإعاقة الحديثة.
لقد ساهم الإعلام الحديث، بمنصاته وتطبيقاته، في تعميق الاتكالية الفكرية، إذ تحوّل التفكير إلى استهلاك، والقراءة إلى تمرير سريع للمحتوى، بينما طغت ثقافة “المؤثر” بدل “المفكر”.
أما المدرسة، التي كان يُفترض أن تكون مشتلا للاستقلال والنضج، فقد تحوّلت – في كثير من الحالات – إلى فضاء للتلقين، لا للتكوين، فضعُفت فيها المناهج التي تحفز التفكير النقدي، وتقلّصت مساحات التجريب والتعبير الذاتي.
صناعة جيل معاق: المسؤولية المشتركة.
لسنا أمام حالة فردية أو استثناءات معزولة، بل نحن إزاء بنية متكاملة من العوامل التربوية والنفسية والاجتماعية والثقافية تتواطأ – بقصد أو دونه – على تهميش قدرات الأجيال الصاعدة، وتحويلها إلى أدوات استهلاك لا إنتاج.
فحين لا نتيح للطفل فرصة الخطأ والتعلم منه، ونخشى عليه من كل تحدٍّ، وندافع عنه في كل موقع، ونبرر له كل تقاعس، نكون – دون أن ندري – قد وضعنا أول لبنة في جدار الإعاقة الداخلية.
ما العمل؟
* إعادة النظر في أساليب التنشئة: التربية على الاستقلال وغرس ثقافة المسؤولية منذ الطفولة.
* تمكين المدرسة من وظائفها التكوينية: بالتركيز على التفكير النقدي والمبادرة والمشاركة.
* إعلام مسؤول: يروّج لقيم العمل والاجتهاد والاعتماد على الذات، بدل الشهرة الفارغة والسطحية.
* مشاركة الشباب في القرار: في الأسرة، في المدرسة، في الحياة العامة… فالشعور بالمسؤولية لا يُعلَّم نظريا بل يُكتسَب بالممارسة.
خاتمة
إن أخطر ما يمكن أن نُورثه لأجيالنا القادمة ليس الفقر أو المرض أو الجهل، بل العجز عن المواجهة، والارتهان للغير، والهرب من المسؤولية. تلك هي الإعاقة التي يصعب علاجها، لأنها لا تُرى بالعين، بل تُكتشف حين يُطلب من هذا الجيل أن ينهض… فلا ينهض..
قم بكتابة اول تعليق