اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD): حين ترفض النفس طيّ فصول الألم.

موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع

“الصدمة ليست ما يحدث لنا، بل ما يحدث بداخلنا نتيجة لما حدث لنا”
— د. غابور ماتيه، اختصاصي في علم النفس الرضحي.

 

في زحام الأحداث العنيفة، وتحت ركام الفقد والخيبات والاعتداءات المتعددة الأوجه، تتكسر بعض الأرواح في صمت. إن اضطراب ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Stress Disorder – PTSD) لا يُعدّ مجرّد حالة نفسية عابرة، بل هو شرخ داخلي يتكتم على ألمه، ويخلف ندوبا غير مرئية على جدران الوعي واللاشعور.

 

مفهوم اضطراب ما بعد الصدمة
اضطراب ما بعد الصدمة هو اضطراب نفسي يظهر كرد فعل متأخر لتجربة صادمة، كالتعرض للعنف، أو الحرب، أو الكوارث الطبيعية، أو الحوادث الخطيرة، أو الاعتداء الجنسي أو الجسدي، أو حتى فقدان عزيز بشكل فجائي. وقد أدرجته الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA) في تصنيفها التشخيصي DSM-5، كأحد اضطرابات القلق ذات الخصوصية الرضحية.

ويُعرَّف بأنه:

“نمط من الأعراض النفسية والجسدية والعصبية التي تظهر لدى الفرد بعد تعرضه لحدث صادم يفوق قدرة العقل على التكيّف، ويستمر أثره لأكثر من شهر، مسبّبًا معاناة وظيفية حادة في الحياة اليومية”.

 

أعراضه: ألم يتخذ أشكالا متعددة
تتنوع أعراض اضطراب ما بعد الصدمة إلى أربع مجموعات رئيسة:

* إعادة معايشة الحدث: مثل الكوابيس المتكررة، الفلاشباك، أو الأفكار المتسلطة المرتبطة بالحدث.

* التجنّب: محاولة تجنّب أي شخص، مكان أو موقف يذكّر بالحادث المؤلم.

* التغيرات السلبية في التفكير والمزاج: الإحساس بالذنب، فقدان المعنى، انعدام المتعة، نوبات الغضب أو الحزن العميق.

* الاضطراب في الإثارة الانفعالية: اضطرابات النوم، فرط اليقظة، سرعة التهيج وصعوبة التركيز.

ويلاحظ علماء النفس أن آثار الصدمة لا تقتصر على الذهن فقط، بل تمتد لتشمل الجهاز العصبي الذاتي والمناعي، كما أظهرت دراسات في علم النفس العصبي (Neuropsychology)، خاصة لدى د. بيسل فان در كولك في كتابه المرجعي “The Body Keeps the Score”.

 

من هم الأكثر عرضة؟
تُظهر الأبحاث أن ليس جميع الأفراد الذين يواجهون تجارب صادمة يصابون بالاضطراب، فالعامل الفارق يكمن في:

* البنية النفسية للفرد (مستوى الصلابة النفسية).

* وجود دعم اجتماعي وعاطفي.

* تجارب الطفولة المبكرة (خاصة الطفولة المعنّفة أو المهملة).

* العامل الوراثي واختلال كيمياء الدماغ (مثل انخفاض السيروتونين).

 

في العمق النفسي: بين التحصين والانهيار
في العمق، تمثل الصدمة لحظة اختلال في التوازن بين الجهاز العاطفي والمخ المعرفي، حيث تُخزّن التجربة المؤلمة خارج نطاق اللغة والزمن، في مناطق عصبية مثل اللوزة الدماغية (Amygdala)، فتظل تُفعّل بشكل غير واعٍ في كل لحظة تهديد.

يرى علماء النفس الوجودي أن PTSD هو في جوهره تمزّق في الإحساس بالمعنى والهوية، وتفكك في “السرد الذاتي للحياة”، وهو ما يجعل العلاج لا يقتصر فقط على تهدئة الأعراض، بل على إعادة بناء الذات من جديد.

 

السبل العلاجية: من الجرح إلى التعافي
يتطلب علاج اضطراب ما بعد الصدمة مقاربة متعددة المستويات:

* العلاج السلوكي المعرفي (CBT): خاصة تقنيات “إعادة المعالجة بالتعرض التدريجي” (Prolonged Exposure).

* علاج التحسس وإعادة المعالجة بحركات العين (EMDR).

* العلاج الدوائي: مثل مثبطات امتصاص السيروتونين (SSRIs).

* العلاج الجسدي والنفسي العصبي (Somatic Experiencing).

* الدعم الأسري والمجتمعي.

* كما أن إشراك المصاب في أنشطة تعيد له السيطرة والمعنى، كالفن، الكتابة والتأمل، يُعدّ جزءا من “رحلة الشفاء” التي تحتاج وقتا وصبرا ومرافقة آمنة.

 

نحو وعي جماعي بالصدمة
في مجتمعات تعاني من الحروب، التهجير، العنف الأسري والكبت الاجتماعي يصبح الاعتراف بالصدمة خطوة أولى نحو التعافي الجمعي. إن تكوين وعي نفسي واجتماعي بأن “من ينهار ليس ضعيفا، بل مجروحا” هو دعامة أساسية لخلق بيئة شافية.

الناس الذين عانوا من الصدمة ليسوا بحاجة إلى السؤال: ما خطبك؟ بل إلى سؤال: ماذا حدث لك؟”
— د. بيري بروس خبير علم نفس الصدمات.

اضطراب ما بعد الصدمة ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها… حين تبدأ النفس بالكشف عن أوجاعها المكبوتة، وتُطالب أخيرا بحريتها من سجن الذكريات. وبين الألم والأمل توجد فسحةُ شفاء، تبتدئ باعتراف شجاع: “لقد تأذيت… لكنني أستحق التعافي”.

 

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد