موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
في أصل الإنسان نزعة فطرية نحو الارتباط بالآخر، وهي نزعة تؤسس لوجوده العاطفي والاجتماعي، وتمنحه الشعور بالأمان والانتماء. لكن هذا التعلق الذي يُفترض أن يكون صحيا وضروريا في نشأة العلاقات الإنسانية، قد ينقلب في بعض السياقات إلى مرض ينهش كيان النفس ويفتك بتوازنها، ليغدو التعلق العاطفي سجنا خفيّا يفتك بالذات من حيث أرادت الأمان.
حين يصبح الحب عبئا
تُعدّ ظاهرة التعلق المرضي من القضايا النفسية والاجتماعية التي تستحق وقفة تأمل، لما تخلّفه من آثار مدمّرة على الأفراد والعلاقات. ويظهر هذا النمط من التعلق حين يتجاوز الارتباط العاطفي حدوده الطبيعية ليغدو اندماجا كليًا بالآخر، قائما على الخوف من الفقد، والرغبة في الامتلاك، والذوبان التام في شخصية المُتعلّق به. وفي هذه الحالة يصبح الحب قيدا، الحنان عبئا والعلاقة مع الآخر شكلا من أشكال الارتهان النفسي.
تعلق الوالدين المفرط بأبنائهم: حب سام في ثوب الحماية
من أبرز تجليات التعلق المرضي ما نلحظه في العلاقة بين بعض الآباء وأبنائهم. حيث يتحول الحنان الأبوي أو الأمومي إلى رغبة لا واعية في السيطرة، واحتكار القرارات، والعيش عبر الأبناء بدلا من تمكينهم من بناء ذواتهم المستقلة. وهنا يتخذ الحب شكل التملك، وتتحول الرغبة في الحماية إلى حجر على حرية النشأة.
فبدل أن تكون العلاقة مبنية على الثقة والتشجيع والاستقلال، تغدو علاقة قائمة على القلق الزائد، واللصوق العاطفي، وفرض المسارات الحياتية، مما يعيق النمو النفسي السليم للطفل، ويدفعه إما إلى التمرد المفرط أو إلى الانكفاء والرضوخ المهين. وفي كلتا الحالتين، يفقد الفرد القدرة على إقامة علاقات ناضجة لاحقا، ويُصاب بما يُعرف في علم النفس باضطرابات التعلق.
من منظور علم النفس: جذور الخلل ومظاهره
يرى علم النفس التحليلي أن جذور التعلق المرضي تمتد إلى الطفولة، حيث تُغرس بذوره الأولى في بيئة يغيب عنها الأمان العاطفي، أو يغدو فيها الحب مشروطا ومقترنا بالخوف والابتزاز العاطفي. ويشير علماء النفس إلى أن الأشخاص الذين لم يُسمح لهم بتكوين هوية مستقلة أو لم يُمنحوا المساحة الكافية للتعبير عن ذواتهم، يصبحون أكثر عرضة للتعلق المرضي في علاقاتهم اللاحقة، سواء بالأهل أو الشريك أو حتى بالأصدقاء.
وتتجلى أعراض هذا النمط من التعلق في سلوكيات كالقلق الدائم من الهجر، الشعور بالذنب عند محاولات الاستقلال، نوبات الغضب أو الانهيار عند الانفصال، والخضوع التام لإرضاء الآخر على حساب الذات.
المجتمع ودوره في ترسيخ التعلق المرضي
على المستوى السوسيولوجي، لا يمكن إغفال دور الثقافة المجتمعية في تأجيج هذا النوع من التعلق. فبعض النماذج الاجتماعية تُمجّد التضحيات المطلقة، وتكرّس صورا نمطية عن الحب اللامحدود، لاسيما في علاقة الأم بأبنائها، أو الزوجة بزوجها، بحيث يُختزل الكيان الفردي في وظيفة العطاء بلا قيد، ويُذمّ الاستقلال العاطفي وكأنه جحود.
كما تلعب الأنماط التربوية السلطوية دورا خطيرا في تنمية هذا التعلق حين تُختزل قيمة الطفل في مدى طاعته، ويُربّى على الخوف من خذلان توقعات الكبار، بدلا من تمكينه من اتخاذ قراراته الخاصة.
نحو تعلق صحي ومتوازن
إن تجاوز هذه المعضلة لا يمر عبر القطيعة أو التنكر للمشاعر، بل عبر الوعي بأن الحب الحقيقي لا يتنافى مع الاستقلال، وأن العلاقات الناضجة تُبنى على أساس من الحرية والمسؤولية المتبادلة. ولعل أولى خطوات العلاج تبدأ من إدراك الذات لنمط تعلقها، ثم التدرّب على بناء حدود صحية مع الآخرين، وتقبّل فكرة أن الفقد ممكن، وأن الاستقلال لا يُلغي الحب، بل يمنحه قيمة أعمق وأصدق.
في النهاية، يظل التعلق العاطفي إحدى حاجات الإنسان الأساسية، لكن عندما يتحول إلى فخّ نفسي، ويغدو حبا مشوبا بالخوف والسيطرة، يصبح عائقا أمام النمو الداخلي. وحده الحب الذي يترك للآخرين حقهم في أن يكونوا ذواتهم، هو الحب القادر على البقاء، والتجدد، والشفاء.
قم بكتابة اول تعليق