موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في عمق النسيج المجتمعي، يتغلغل التمييز والتنمر الاجتماعي بوصفهما آليتين خفيتين لصناعة الهشاشة النفسية، تبدأ جذورهما منذ المراحل الأولى من الطفولة، ولا تلبث أن تمتد لترافق الإنسان حتى الكهولة، محدثة شرخا في البناء الداخلي للذات، ومعيقة لتطورها السوي.
1. الطفولة: حيث تُزرع بذور الندوب الصامتة
علم النفس النمائي يؤكد أن السنوات الأولى من عمر الإنسان ليست مجرد مراحل بيولوجية، بل هي البوتقة التي تتشكل فيها ملامح الهوية والانتماء والثقة بالذات. حين يُستهدف الطفل بالتنمر بسبب مظهره، لونه، طبقته الاجتماعية، أو حتى اختلافاته الإدراكية، فإن الرسائل السلبية التي يتلقاها من محيطه تتحول إلى قناعات داخلية قاتلة، تُقنعه بأنه أدنى من الآخرين، أو بأنه عبء على الجماعة.
يُترجم هذا التنمر غالبا إلى صمت مزمن، تردد في التعبير، تراجع دراسي، أو ميول انعزالية. وقد أظهرت دراسات متعددة أن الأطفال المتعرضين للتنمر يطورون لاحقا أنماطا من القلق الاجتماعي، وانخفاضا حادا في تقدير الذات، بل وتزداد احتمالية تعرضهم للاكتئاب والإدمان في مراحل لاحقة.
2. المراهقة والشباب: مرحلة الاغتراب الاجتماعي
عندما لا يتم التعامل مبكرا مع آثار التنمر والتمييز، تنتقل الهشاشة النفسية إلى مرحلة المراهقة، حيث تتعقد الهويات وتتفاقم الأزمات الوجودية. في هذه المرحلة، يصبح الانتماء للجماعة حاجة ملحة، والتفاوتات الاجتماعية والرمزية تصبح أكثر حدّة: تمييز مبني على النوع، الطبقة، التوجهات، وحتى التطلعات.
في علم الاجتماع، يُنظر إلى التنمر والتمييز كمظاهر عنف رمزي تنتجها البنيات الثقافية والسلطوية، وتتغذى عليها المنظومات التربوية والإعلامية والاقتصادية. فالشاب الذي يُقصى من فرص العمل أو يحتقر لهجته أو مظهره الخارجي، يعاني من إقصاء مزدوج: من الفضاء العام ومن ذاته.
3. الكهولة: هشاشة مقنّعة خلف جدران الصمت
في الكهولة، لا يختفي أثر التمييز، بل يتحول إلى جرح دفين يرتدي قناع “التكيف”. غير أن هذا التكيف غالبا ما يكون مشوّها، يخفي وراءه ندوبا لم تُشفَ. فالرجل الذي نشأ على تمييز طبقي صارخ، أو المرأة التي عانت من تنمر جنسي في المراهقة، قد يبدوان من الخارج ناجحين، لكن داخلهما يضجّ بالقلق، والنقمة، وربما الحزن المزمن.
تشير دراسات علم النفس الإكلينيكي إلى أن كثيرا من حالات الاكتئاب المزمن في منتصف العمر تعود في أصلها إلى تراكمات نفسية ناتجة عن التعرض المستمر أو المبكر للتمييز أو التنمر، مما يخلق سلوكيات دفاعية، مثل الانطواء، العدوانية السلبية، أو حتى الانفصال العاطفي عن المحيط.
4. من المسؤول؟ ومن أين يبدأ التغيير؟
تكمن خطورة التمييز والتنمر في أنهما لا يُمارسان فقط على المستوى الفردي، بل يُشرعنان ثقافيا واجتماعيا. فحين تُهمل المؤسسات التعليمية والإعلامية مسؤوليتها في ترسيخ ثقافة الاحترام والعدالة، تصبح هذه الظواهر بمثابة “تربية اجتماعية موازية” تُنتج أجيالا مهزوزة.
التدخل يجب أن يكون بنيويا وعميقا، يبدأ من الأسرة، مرورا بالمدرسة، إلى السياسات العمومية. نحن بحاجة إلى خطاب يعيد للإنسان قيمته، وللاختلاف معناه الإيجابي، وإلى منظومة نفسية اجتماعية تؤمن بأن الصلابة النفسية ليست مجرد صفة، بل حصيلة رعاية، عدالة ومجتمع لا يصنع هشاشة أفراده.
إن صناعة الهشاشة النفسية ليست وليدة لحظة أو موقف، بل تراكم لثقافة لا تحتفي بالإنسان، بل تُعيد إنتاج ألمه تحت مسميات شتى. وإن كنا نطمح إلى مجتمعات سليمة نفسيا ومتوازنة اجتماعيا، فلابد من اجتثاث جذور التمييز والتنمر، لا فقط من السلوك، بل من العقل الجمعي ذاته.
قم بكتابة اول تعليق