شباب بلا أفق: كيف تصنع البطالة والفراغ هشاشة نفسية مزمنة؟

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات المجتمعية والاقتصادية، يبرز وجه خفيّ لأزمةٍ صامتة، تستنزف طاقات الأمة من الداخل: شبابٌ تفتك به البطالة، ويُنهكه الفراغ، فيدخل في دوامة من الهشاشة النفسية، قد لا تُرى، ولكنها تنخر الذات بصمتٍ قاتل.

 

البطالة: أزمة هوية قبل أن تكون أزمة مادية
تُجمِع الأدبيات النفسية على أن العمل لا يُمثل مصدر دخل فحسب، بل هو حجر الزاوية في بناء الهوية الذاتية. وفقًا لدراسة منشورة في مجلة Journal of Health and Social Behavior (Dooley et al., 1996)، فإن البطالة ترتبط بارتفاع خطر الإصابة بالاكتئاب بمعدل يزيد عن 2.5 مرة مقارنة بالأشخاص العاملين، حتى بعد التحكم في العوامل الاقتصادية والاجتماعية الأخرى.

وتؤكد Marie Jahoda في نموذجها الشهير حول “الوظائف اللاتقليدية للعمل” (Latent Functions of Employment)، أن غياب العمل يحرم الأفراد من البنية الزمنية، والهوية الاجتماعية، والشعور بالجدوى، والاندماج المجتمعي—all of which are crucial for psychological health.

 

الفراغ القاتل: حين يغدو الوقت ساحةً لجلد الذات
الفراغ المصاحب للبطالة لا يُبقي فقط على العطالة الجسدية، بل يُخلِّف شللًا نفسيًا، تتضاعف آثاره مع الوقت. ووفقًا لدراسة نُشرت في Journal of Applied Psychology (Paul & Moser, 2009)، فإن طول مدة البطالة يزيد من احتمال الإصابة باضطرابات نفسية، كما أن الفراغ يُضاعف من التفكير السلبي والاجترار الذهني، وهما عاملان رئيسيان في نشوء القلق والاكتئاب.

 

الهشاشة النفسية: مداخل الانهيار الصامت
لا تظهر الهشاشة النفسية دائمًا في صورة انهيارات درامية، بل تتجلى غالبًا في الانسحاب الاجتماعي وفقدان المبادرة وتراجع الثقة بالنفس، أو الميل إلى العدوانية والتمرد السلبي. دراسة فرنسية حديثة (INJEP, 2022) أظهرت أن واحدًا من كل ثلاثة شباب عاطلين يشعرون بالعزلة الشديدة وانعدام الأفق، وهو ما يشكل بيئة خصبة لتطور الاضطرابات النفسية، أو الانجراف نحو المخدرات والعنف أو حتى الانتحار.

 

ما العمل؟ من الحضور الإحصائي إلى الحضور الفاعل
من منظور علم النفس الإيجابي (Seligman, 2002)، فإن تعزيز شعور الشباب بالسيطرة على واقعهم، وبامتلاك أدوات التغيير، هو شرط أساسي لاستعادة توازنهم النفسي. ويتطلب هذا من السياسات العمومية تبني رؤية شمولية، لا تقتصر على خلق مناصب الشغل، بل تتعداها إلى إحداث فضاءات للتمكين النفسي والاجتماعي، وتنمية المهارات الذاتية، وتثمين الطاقات الكامنة.

 

بين الصمت والانفجار، صوت يجب أن يُسمع
حين يُقصى الشباب من دائرة الفعل، يفقد المجتمع نبضه. والهشاشة النفسية التي تُنتجها البطالة والفراغ ليست مسألة شخصية، بل أزمة بنيوية، تستوجب التدخل العاجل. إن تمكين الشباب ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية، فإما أن نعيد إليهم ثقتهم في أنفسهم، أو نكون شهودًا على انفجار صامت، تُولد منه أزمات أخطر.

 

 

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد