موند بريس
في خضم النقاش الدائر حول مستقبل الثقافة والفنون بالمغرب، يعود المسرح ليتصدر الواجهة، لا بعرض جديد أو مهرجان لافت، بل بسبب تعيين إداري أثار موجة من التساؤلات داخل الأوساط الفنية. تعيين اعتُبر لدى البعض “روتينياً”، لكنه لدى فاعلين في المجال، يطرح إشكالات جوهرية تتعلق بالكفاءة، الاختصاص، ورؤية الدولة للمسرح كقطاع ثقافي استراتيجي.
فمن يقود اليوم قطاعات الإبداع في المغرب؟ وهل ما زالت الخبرة والتجربة الميدانية معياراً أساسياً في اختيار من يدبّر شؤون الفن والمسرح؟
المسرح، بخلاف قطاعات أخرى، لا يمكن تسييره فقط من خلال منظور إداري صرف. إن فهم تعقيدات الإنتاج المسرحي، ودينامية الفرق، وإكراهات التكوين والبرمجة، لا يتأتى إلا لمن عاش التجربة عن قرب، واحتك يومياً بتفاصيل الخشبة والنص والفرقة والجمهور.
إن تعيين مسؤول عن المسرح دون خلفية واضحة في المجال، وإن كان قانونياً، إلا أنه يفتح نقاشاً مشروعاً: ما هي فلسفة التعيين؟ وهل نحن فعلاً أمام تنزيل حقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالكفاءة كما ينص عليه الدستور؟
الفاعل المسرحي في المغرب لم يعد يطالب بالدعم فقط، بل أصبح يطالب بحق المشاركة في القرار. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يتساءل كثيرون عن جدوى تغييب الفنانين الحقيقيين من مراكز القرار، وغياب آلية مؤسساتية تضمن إشراك النقابات والتنسيقيات الفنية في اختيار من يقود دفة القطاعات الحيوية.
حين يُعيَّن مسؤول على رأس مؤسسة مسرحية، فالأمر لا يتعلق فقط بتسيير ميزانية أو تدبير مهرجان، بل بتوجيه بوصلة الفن، وفتح آفاق أمام المبدعين الشباب، وحماية ذاكرة فنية غنية بناها رواد كبار، من الطيب الصديقي إلى عزيز موهوب، مروراً بجيل جديد لا يقل موهبة وطموحاً.
النقد ليس موجهاً للأشخاص، بل للمبدأ. فالتعيينات يجب أن تخضع لمنطق الكفاءة، بعيداً عن الترضيات الإدارية أو التوازنات غير الفنية. فحين يتعلق الأمر بالمسرح، فالأمر أكبر من ملف إداري أو قرار وزاري، إنه سؤال هوية فنية، وكرامة ثقافية.
المطلوب اليوم ليس فقط إعادة النظر في هذا التعيين أو ذاك، بل في المنهجية ككل. لأننا إن أردنا فعلاً مسرحاً مغربياً قوياً، فلا بد أن نبدأ من قاعدته: من يعطي القرار، ومن يضع الاستراتيجية، ومن يحمل الرؤية.
قم بكتابة اول تعليق