موند بريس : هشام زريري
في زمن اختلطت فيه المعايير وانهارت فيه قلاع التمييز بين القيمة والضجيج صار التافه عالِمًا لم يعد العلم يُقاس بعمق الفكر ولا المعرفة توزن بثقل التجربة بل صارت الأضواء تضيء الوجوه الخفيفة وتصفق الجماهير للصوت الأعلى لا للفكر الأعمق
صار التافه عالما لأنه يجيد فن التمثيل لا فن التأصيل، ويعرف طريق الترند أكثر من طريق المعرفة يحمل لقب “المثقف” من يملأ الفراغ بكلمات منمقة بلا مضمون ويلقب بـ”المفكر” من يتقن اللعب على أوتار الانفعال والجدل الفارغ
صار التافه عالما حين تخلى أهل الفكر عن المنابر وتركوا الساحة لمن يلهو ويضحك ويملأ العقول بالفراغ. صار التافه عالما لا لأنه اجتهد أو بحث بل لأن السوق أراده كذلك ولأن الثقافة صارت سلعة تباع لمن يدفع أكثر لا لمن يفكر أعمق
فرجعنا كذلك نحن الذين كنا نحمل القلم كمن يحمل مشعل النور إلى صفوف المتفرجين حين طغت التفاهة واجتاحت الرداءة وسرقت المنصات من بين أيدي الصحفيين المحنكين والمفكرين الحقيقيين فصارت الكلمة أسيرة الضحك الرخيص والرأي رهينة اللا معنى.
وهكذا يصنع العالم على أعين الجماهير لا في خلوات الكتب ويُتوّج من يرضي الأهواء لا من يرضي الضمائر.
وصار السؤال الصامت على الشفاه:
هل نحن من صنعنا التافه عالمًا؟ أم أن العالم صار تافهًا فصنع أمثاله؟
قم بكتابة اول تعليق