موند بريس / محمد أيت المودن
ومع ذلك، فالأموال الفعلية المُخصّصة لمبادرة الحزام والطريق أقلّ بكثير مما كان متوقعا. قد تساعد مبادرة الحزام والطريق الصين على تنويع مصادر الطاقة، وتطرح تعبيرا مبالغا فيه بشكل كبير عن رغبة الصين طويلة الأمد في تجنّب الحصار من خلال شراء نفوذ في باكستان، وبنغلاديش، وآسيا الوسطى. بيد أن مبادرة الحزام والطريق ستعجز عن بلوغ هدفها الأكبر في ربط آسيا مع أوروبا، نظرا إلى أن الصين لا تمتلك احتياطيات النقد الأجنبي اللازمة للاستثمار في العديد من الصفقات غير المربحة. على الرغم من ذلك، ساهم المدى الذي تنسّق به الصين مع آلياتها وأجهزتها الدعائية العالمية في جعلها في الواقع أكثر مركزية من الناحية الجيوسياسية.
سعى شي جاهدا إلى استعادة الممتلكات السابقة لسلالة تشينغ الحاكمة، وتوسيع نطاق حدودها البحرية لتأمين خطوط الإمداد الرئيسة، باعتبارها جزءا من جهوده للترويج إلى التجديد. كما شيّد الجزر الصغيرة، وزوّد بحر الصين الجنوبي بالنظم العسكرية، وواصل الضغط على اليابان في بحر الصين الشرقي. وفي الوقت الذي يتولى فيه شي الإشراف على التأمين الشامل للسياسة الداخلية الصينية، وإصدار تعليمات للحزب الشيوعي الصيني كي ينفق المال على الدول القارية المجاورة من خلال مبادرة الحزام والطريق، زادت الصين من وتيرة تطوّرها البحري. وأعلن شي في عام 2012 أنّ الصين أصبحت “قوة بحرية عظيمة”، وأنّ نجاحها في تحقيق “حلم الصين” مرهون بنجاحها في أن تصبح قوة بحرية عالمية أكبر. تقوم القوات البحرية الصينية الواسعة النطاق بمهامّ يومية لدفع المصالح الصينية في بحري الصين الجنوبي والشرقي، وكذلك حول تايوان.
سيظل الإرث الجيوسياسي العظيم لشي وهو متمثلا في أنهم وجّهوا الصين، وهي إمبراطورية قارّية تبدو خريطتها الحالية مشابهة للغاية لخريطة إمبراطورية تشينغ العظيمة، إلى إيلاء اهتمام أكبرَ بالبحر. تبلغ مساحة الصين 3.7 مليون ميل مربع، وتتشارك في الحدود البرية مع 14 دولة، أي أكثر من أي دولة أخرى -بما في ذلك روسيا والهند وفيتنام وكوريا-، وجميعهم كانوا أعداء عسكريين في القرن العشرين. وهي الآن تطالب بفعالية بحقها في كامل بحري الصين الجنوبي والشرقي. وإذا ما تمكّنت الصين من إحكام سيطرتها على هذه المسطّحات المائية فستستطيع توسيع امتدادها الجغرافي، من الحدود الغربية البعيدة مع طاجيكستان إلى الروافد البحرية الشمالية الشرقية لليابان، وإلى الجنوب نحو مشارف إندونيسيا.

وبالنظر إلى استمرار المشاكل التي تواجهها في الغرب، واستجابتها المروعة لما تصفه بالاضطرابات مع شعب الأويغور وشعب التبت، والتنافس المتواصل مع الدول الأخرى على حدودها البرية، فقد يُثبت اهتمام الصين المتزايد بفرض سيطرتها على البحار أنّ له تداعيات مدمرة للعالم، تماما كما كان لقرار ألمانيا الاستعمارية بالدخول في منافسة بحرية مع إنجلترا. يمكن للصين التي تشهد حالة متردية أن تعجِّل بهذه العملية لعدد من الأسباب، بما في ذلك رغبتها في إعادة بناء الشرعية الوطنية.
في ظل التباطؤ الذي يشهده الاقتصاد الصيني، وتوحيد سياساته حول دولة بوليسية جديدة ذات تقنيات متطورة، فإنه لن يكون بوسع الحزب أن يحافظ على كل هذه الطموحات. كما ستستنفد سياسات الحفاظ على الاستقرار وجهود مكافحة الفساد البيروقراطية، بينما يقضي الحزب على نفسه. ويمكن أيضا لواشنطن أن تجعل من الصعب للغاية على تلك الإمبراطورية القارية أن تحقق طموحاتها في البحر. وعلاوة على ذلك، في حين نجح النهج السياسي الذي اتبعه شي في معالجة الأزمة قصيرة الأجل، فقد ضاعف من المخاطر السياسية التي قد تواجهها الصين على المدى الطويل؛ إِذْ ألغى شي الإصلاحات المؤسّسية التي قام بها دينج شياو بينج التي حافظت على قدر من الاستقرار في نظام إدارة الحزب الشيوعي الصيني.
شهدت الصين صعود وسقوط العديد من الأسر الحاكمة في تاريخها، وقد سقطت آخر إمبراطورية نتيجة مجموعة من الأسباب المعقدة، بما في ذلك تطلعاتها الاستعمارية التي أنهكت قدراتها، وإثارة غضب الغرب، ومقاومة سلسلة هائلة من التحدّيات الداخلية كالحرب الأهلية وانتفاضة المسلمين، والفشل في التعامل مع الاقتصاد المتدهور، والإهانات التي تعرضت لها على صعيد السياسة الخارجية، والإيمان بأن الأباطرة فقدوا “ولاية السماء” (ما يُمكن أن نسميه اليوم “الفراغ العقائدي”).

بينما يقف صناع السياسات والباحثون في رهبة مما حققته الصين منذ عام 1978، فإنه يتعيّن عليهم أيضا الاستمرار في دراسة الإجراءات الداخلية للنظام بحثا عن علامات تُنذر باضطرابات مستقبليّة. في عام 1993، حذر الباحث تشارلز فيربانكس، في طبعة خاصة من مجلة ناشيونال إنترست بعنوان “الموت الغريب للشيوعية السوفياتية” (The Strange Death of Soviet Communism)، من أنّ الكثيرين قد أغفلوا التدهور الذي عانى منه الاتحاد السوفياتي لفترة طويلة، لأنهم لم يركزوا على فقدان الاتحاد السوفياتي للشرعية الأيديولوجية بين نخب الحزب الشيوعي.
تسعى الصين اليوم إلى التعويض عن غياب المبادئ السياسية أو الأيديولوجيات الجذابة عن طريق خلق إمبراطورية الخوف الجديدة، وتقديم دعوات للنزعة القومية الإمبريالية هي أكثر حِدّة من أي وقت مضى. لا يعني هذا أنّ الصين ستنهار، إلا أنّ شي غيّر تفاعلات القوى الداخلية للأمة؛ والنتيجة هي أنّ المملكة الوُسطى ستتّخذ مسارا تعدّ إمكانية التنبؤ به أقلّ بكثير مما قد تتوقعه نظريات العلوم السياسية المادية.
قم بكتابة اول تعليق