الفكر النقدي بين الحرية والتضييق!
موند بريس: الكاتب جواد ذوالهمة
التاريخ العربي حقيقة؛ كان دائما سدا منيعا أمام الأفكار النيرة التي تنهج أسلوبا نقديا، أو توظف الفكر الفلسفي القائم على الشك! أو أي أفكار مخالفة للسلطة الحاكمة التي تخلط سياستها بتوابل دينية يسهل بها التأثير على الجماهير المقهورة، وقبل الدخول في غمار هذه المغامرة لنتوقف مع هذه التوطئة البسيطة.
توطئة :
“بعد الاستقلال وبالضبط سنة 1963،كان المغرب يبحث عن إرساء أسس درس فلسفي حديث، غير أن مطلع السبعينات سنة 1970 عرف التوجه الأول تغيرا جذريا وهو إغلاق معاهد تعنى بالفكر النقدي مظاهرات حول إغلاق معهد السوسيولوجيا، هذا التغير سيقود إلى التعريب سنة 1973 والتعريب هو الآخر يجعل الأساتذة الفركوفونيين يختفون ويعجل لظهور ما يعرف بالمحافظين، وهكذا احتدم الصراع حتى هيمنة الفكر الإسلامي سنة 1983. لتعود الفلسفة سنة 2000 لكن بمظهر آخر”
والآن انسوا أمر التوطئة، ودعونا نوضح حلقات هذا المسلسل بعيدا عن التأريخ والرواية التي دمرت الفكر الحر، وجعلتنا شعبا وشبابا آكاديميا يعود قرنا للوراء ويتقدم سنة!
إن الحديث عن الفكر النقدي بالمغرب لا يختلف عن الحديث عنه في أي بلد عربي، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية شمال إفريقيا وسبقه لفعل التفلسف بحكم القرب الجغرافي من موطن الأنوار كما يشاع.
أولا؛ لا بد من الإشارة إلى أن الفكر النقدي بالمغرب عرف تضييقا كبيرا في عصر الملك الراحل الحسن الثاني، لكن المرحلة ذاتها عرفت تأرجحا كبيرا حول الأسباب الحقيقية لهذا التضييق؛
هل السبب هو تخوف السلطة من الوعي الفلسفي المجتمعي الرافض لكل استغلال أو استبداد من طرف الحاكم؟ أم يتعلق الأمر بصراع أزلي بين الموروث العربي الإسلامي “الفكر الإسلامي” وكل موجات التجديد والانفتاح بشتى تمثلاته؟
في حقيقة الأمر لا يمكن الجزم بأي تسأؤل منهما، ولكن يمكن القول إن منع الفلسفة كان نتيجة تفاعل السببين معا إضافة إلى أسباب أخرى سنأتي لذكرها بإذن الله.
وقبل التحليل لا بد أن أتقاسم معكم موقفا شخصيا سجلته من خلال اطلاعي على مجموعة من المقالات التي تعرضت للفكر النقدي، خصوصا منه الفلسفة، وجدتها قد شفيت غليلها من المعارضين، الإسلاميين حسب تصورها، بشكل أقل ما يقال عنه أنه عاطفي محض، وبعيد كل البعد عن ما هو عقلاني.
غير أنني لا أسحب الفكرة ذاتها على كل أصحاب الفكر النقدي، حتى أكون موضوعيا ومنسبا للأحكام، وليس خوفا من قول الشاعر :
أ تنهى عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
عرف الفكر النقدي، وتدريس الفلسفة خصوصا، تضييقا في عهد الحسن الثاني كما أشرنا، كما نجد تفسيرا آخر وهو رفض الثقافة العربية للفكر المادي والمثالي! بغض النظر عن فهمه كتفلسف أو غير ذلك.
وبالرجوع لمجموعة من الدراسات التي أجريت في الموضوع، نجد سببا آخر يدخل من النافذة، ويتعلق الأمر بالوجود الفرنكوفوني الذي خلفه الاستعمار، حيث راج التدريس بالفرنسية في المدارس المغربية، وهذا خلق إرهاصات لظهور تيار التعريب، كموجة قومية كانت تناضل من أجل التقليل من استخدام لغة المستعمر، والتعريب من جهته أشعل فتيل الحركة الأمازيغية، التي ترى خطرا في العربية أكثر من الفرنسية، وهذا موضوع آخر سنتحدث عنه في وقت لاحق.
إن هذا السبب الثالث. أي ظهور التعريب، هو الذي هيأ للسلطة الظفر بصراعها مع الفكر النقدي، هذا الفكر الذي شكل خطرا على الحكم الاستبدادي انذاك، حيث وجدت السلطة سبيلا أكلت وأجهزت به بل والتهمت عن طريقه عاطفة الشعب، “لشيء في نفس يعقوب”، ليتوقف الدرس الفلسفي بشكله الذي راده من تتلمذوا على يد أساتذة فرنسيين ووفق مناهج غربية، ونذكر منهم نور الدين الصايل، الطاهر بنجلون، حسن بنعدي.
كانت فكرة الإلحاد التي التصقت بتدريس الفلسفة، والانتصار للفكر المادي، أرجوحة حركها تيار الفكر الإسلامي الذي خُلِقت له الفرصة من أجل ترسيخ أسس الفلسفة الإسلامية.
وطبعا في خضم هذا الصراع وجد الملك الراحل الحسن الثاني، وبالضبط فترة السبعينات وبداية الثمانينات الوقت المناسب من أجل المناداة بالتعريب، بذريعة الحفاظ على القومية المغربية، وهذا هو السبب الذي جعل من ذوي الفكر النقدي الفلسفي الفرنسي تحديدا، أكثر حدة في مواقفهم اتجاه الفكر الإسلامي، وجعَلهم يصفونه بالرجعي والمتخلف.
وفي هذا الإطار نستحضر على سبيل المثال ما قاله أحد المنتصرين للفكر المادي “علي انوزلا” :
“فالصراع اليوم مع مادة الفلسفة في المغرب وفي أكثر من دولة عربية، هو صراع قديم في الثقافة العربية، بدأ مع الترجمات الأولى في العصر الأموي للمؤلفات الفلسقية اليونانية، وهو صراع مازال مستمرا ما بين ثقافة تكرس الخنوع والخضوع وثقافة تحث على السؤال والنقد والشك”.
إن وصف الثقافة العربية بالخضوع والخنوع كان مسبة وليس إنصافا، حيث إن الفكر الفلسفي الإسلامي هو المشكل. وهذا عكس ما نراه حسب قناعاتنا، فالفكر الفلسفي الحديث لدى أوروبا قد تغذى على أفكار الفلسفة الإسلامية بشكل كبير جدا.
ولئن كان هيجل يرى مثلا :
” إن جوهر وغاية الفلسفة هو تخليص الإنسان من حالة القلق الوجود التي تولد معه”.
فإن الإسلام قد أجاب بشكل عقلاني عن هذه الغاية ودعا إلى تأمل الفضاء والآيات الكونية، ثم إن هذا القلق لم يكن محط بحث للأمم المسلمة، وإنما هو حكر على الأمم التي استغلت الدين والمعتقد حتى في كبح الحقائق، فحتما لا تتخلص من القلق إلا عبر السؤال، وهذا موجود في ثقافتنا، ومنعدم في سياسة حكامنا، وشتان بين ثقافة وسياسة.
وإذا قال ديكارت” أنا أفكر إذن أنا موجود”، فإن الوجود الذي تحدث عنه ليس ماديا، وإلا فهو مضطر لتوضيح الطريقة التي تجعله دائم التفكير! وهذا شيء مستحيل عقليا وعاطفيا وماديا وتصوريا… فحتما نمر بلحظات لا واعية ينعدم فيها التفكير.
وخلاصة القول؛ إن التفكير النقدي لم يكن وراء حجبه بالواضح المكشوف إلا العمل السياسي، لذلك يجب ألا ننكر دور الفكر الإسلامي، ولا نجعله منشفة نمسح فيها قصور الفكر العربي اليوم عن مسايرة الفكر الفلسفي للشعوب الأخرى.
ولا ننكر ما نتج عن هذا التضييق الذي طال الفلسفة، من آثار سلبية على عقلية الإنسان المغربي! الذي أصبح تكسبيا يميل مع العواطف ويخضع لثقافة الأذن التي تنهج التوريث والتحفيظ والقرب، بدل ثقافة العقل القائمة على بعد النظر والفكرة المعارضة والرغبة في خلق الذات وليس خفض الرأس وعبادة القطيع.
ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه ماذا حققت الفلسفة بعد عودتها للفصول الدراسية؟ هذا التساؤل لا يبحث عن جواب بقدر ما يبحث عن الظفر بإعادة التفكير في القومية العربية وفق أسس تأخذ بعين الاعتبار تاريخ المغرب على حدة، قبل مقارنته بتاريخ شعوب كنا بعد الاستقلال نساويها أو نفضلها.
وختاما؛ في نظري فالفكر الفلسفي لا يجب أن يكون غاية، بمعنى “هَا حْنَا كَنْقروها تَاني”؛ وإنما يجب خلق مناهج تُعلِّمُ قراءها أنها وسيلة من شأنها تعويد الفرد على طريقة التفكير وطرح الأسئلة والمحاجة، وتخلق في الوقت ذاته وعيا عقلانيا تنويريا ونقديا لدى المتلقي بشتى أصنافه.
قم بكتابة اول تعليق