رهانات النموذج التنموي الجديد بعد جائحة كورونا

موند بريس  : د / يونس صبار
باحث في القانون العام والعلوم السياسية
أستاذ زائر بكلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية/عين الشق الدار البيضاء

أصبح من الواضح اليوم، بعد تفشي وباء كورونا الذي اجتاح العديد من دول العالم، أن الخيارات الإقتصادية والإجتماعية المتاحة للدولة في بناء نموذج تنموي جديد أضحت واضحة المعالم و تستدعي الوقوف على مجموعة من الإختلالات البنيوية التي أفرزتها الأزمة الحالية.
لقد عرى فيروس “كورونا” عن مجموعة من الأعطاب الاجتماعية والإقتصادية والثقافية والمجالية أيضا، التي كان ولا يزال يعاني منها المجتمع المغربي. فمن ملف التعليم وجودته إلى ملف الصحة والبنية التحتية من مؤسسات استشفائية وتجهيزات علمية، إلى ملفات البحث العلمي والمختبرات وصناعة الأدوية إلى ملفات اجتماعية تتعلق بالاقتصاد الغير المهيكل والتكوين المهني إلى ملفات ثقافية تتعلق بثقافة العمل التطوعي والتضامني وتقديم الإسعافات الأولية.
يحتاج مغرب ما بعد “كورونا” إلى آليات جديدة سواء على مستوى الخطاب السياسي ، أو على مستوى التواصل الاجتماعي ، أو على مستوى السياسات العمومية من شأنها تعميق مفهوم المواطنة ومفهوم التضامن الاجتماعي والعمل الإحساني، وأيضا سياسة إعلامية مجالية تغطي احتياجات كل الجهات المغربية.
يحتاج المغرب إلى إعادة النظر في رسم معالم النموذج التنموي لما بعد “كورونا”، بغية تنويع مصادر خلق الثروة الوطنية وتوسيع دائرة الاستفادة وتشجيع الصناعة والاكتفاء الذاتي.

وكما سبقت الإشارة فقد جاءت هذه الأزمة لتضع يدها على مكامن الخلل من جديد وستلقي دروسا مستفيضة في مجال بناء التنمية، وستخضع نموذجنا التنموي لتمرين جديد بعد ذاك الذي أملاه التاريخ من قبل.
لقد أدت هذه الجائحة إلى التفكير من جديد لإعادة النظر في رسم سياسة تنموية جديدة كمطلب ملح، من خلال العمل على تأهيل القطاع الصحي وتأهيل الاقتصاد المحلي والرفع من منسوب التضامن والتماسك الاجتماعي بين مختلف مكونات الشعب، لاسيما وأن التدابير الجريئة التي اتخذها المغرب ملكا وحكومة للتصدي لهذه الجائحة تزكي هذا الطرح، لدى نجد ملك البلاد سارع إلى إحداث صندوق للدعم، والعمل على تخصيص دفعات مالية للفئات الهشة، وتشجيع المقاولات، إذ أن النقاش حاليا حول هذا النموذج التنموي الجديد بات مطروحا وبشدة لاسيما وان الوضع الحالي أضحى يتطلب إعادة النظر في رسم معالم النموذج التنموي لما بعد “كورونا”.
هذه الأزمة الصحية ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية تعتبر فرصة للجنة الوطنية للنموذج التنموي الجديد لاستخلاص الدروس والعبر، فقد عكست بوضوح القطاعات الأساسية التي تشكل قوة ومناعة الدولة والمجتمع والتي تفرض على الدولة التركيز عليها في طريقها نحو بناء مغرب المستقبل.
بالإضافة إلى ذلك، تشكل هذه الأزمة الصحية مناسبة لإعادة النظر في النموذج الاقتصادي وذلك بما يسمح لهذا القطاع بتشكيل مناعة ذاتية يواجه بها مثل هذه التقلبات والتراجع عن سياسة الانفتاح الكلي على الخارج، وكذا تقوية القطاع الاقتصادي لكي يلعب دوره كاملا في دعم القطاع الاجتماعي خصوصا في مثل هذه الأزمات.
فالرهان من أجل نموذج تنموي جديد يقتضي النهوض بأهم القطاعات الحيوية من تعليم وصحة ، وأن الأمر أصبح يستدعي التفكير في إعادة تنظيمه والاهتمام به ، وإعادة النظر في المدرسة العمومية وفي التعليم عن بعد الذي اتضحت اليوم أهميته و ذلك عبر تشخيص علمي لمكامن الخلل التي أصبحت واضحة وتتكرر سنة بعد أخرى في سبيل تأهيل المنظومة التعليمية .
كذلك قطاع الصحة يجب أن تكون له الأولوية من خلال النهوض بالبنية التحتية الصحية و تأهيل الموارد البشرية ذات الكفاءة العالية ، وتجهيز المستشفيات بالإضافة إلى توسيع هامش الاهتمام بالبحث العلمي في هذا المجال.
هذه القطاعات الحيوية أصبحت تفرض على الدولة الاهتمام بها ورصد موارد مالية كافية للنهوض بها أكثر .
جاءت أزمة كورونا لتعيد ترتيب الأولويات في سياسة الدولة ، التي ينبغي أن تنطلق منها لجنة النموذج التنموي الجديد في أفق صياغة نموذج تنموي جديد تترتب عنه نتائج تستجيب لتطلعات المواطن ، وتكون غايته تقليص الفوارق الاجتماعية والاختلالات المجالية وتحقيق العدالة الاجتماعية ، وخلق فرص الشغل للشباب ،و إصلاح المنظومة التعليمية . حتى يتسنى وضع نموذج تنموي واقعي يعكس متطلبات المغاربة ويضع الخطط الإستراتيجية على المدى القريب والمتوسط والبعيد الكفيلة بتحقيق إقلاع اقتصادي واجتماعي.
الرهان اليوم كبير ولا يمكن كسبه دون اســتثمار منجــزات وتراكمـات الماضـي وتوظيفهـا فـي عمليـة تنمويـة جديـدة تأخـذ بعيـن الاعتبار التحولات العالميـة والجهويـة فـي أفـق متوسـط وبعيـد المـدى، الغـرض منـه هــو الارتقاء بالوضعية الحالية وضمــان العيــش الكريــم والكرامــة والتقــدم الاجتماعي والاقتصادي.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد