مدى دستوريةانعقاد دورات البرلمان خلال فترة الطوارئ الصحية

موند بريس : د.يونس صبار
باحث في القانون العام والعلوم السياسية
أستاذ زائر بكلية الحقوق عين الشق /الدار البيضاء

تعد ممارسة السلطة التشريعية من طرف البرلمان أحد أبرز المقومات التي تقوم عليها الأنظمة الديمقراطية الحديثة بحيث تستمد هذه المؤسسة شرعيتها مباشرة من الشعب و بالتالي تعد المؤسسة الممثلة له و المعبرة عن إرادته بامتياز من خلال ما تسنه من نصوص قانونية تكتسي صفة الإلزام للجميع بحيث لا يسبقها مكانة في النظام القانوني للدولة إلى نصوص الدستور،غير أن المرونة التي أصبح يتميز بها مبدأ الفصل بين السلطات و ازدياد تكريس الأنظمة السياسية للعقلنة البرلمانية نتيجة التخوف من تغول سلطات البرلمان أدى إلى عدم استفراد هذا الأخير بهذا الاختصاص من خلال فتح المجال لمشاركة السلطة التنفيذية للسلطة التشريعية لهذه الوظيفة تحت مجموعة من الذرائع تكرس بالتنصيص الفعلي لهذه المشاركة داخل الوثيقة الدستورية لمعظم الأنظمة السياسية لتتحول إلى حق مكفول بموجب الدستور تتمتع به السلطة التنفيذية.

و رغم حالة الطوارئ الصحية فإن الدستور يحتم على على هذه المؤسسة أن تعقد جلساتها بشكل منظم، وكما هو معلوم فإنه حتى في حالة الاستثناء (الفصل59) وحالة الحصار( الفصل74 ) فإنه لا يتم حل البرلمان ويظل يمارس وظائفه الدستورية.

ومن هذا المنطلق سبق لرئيس مجلس النواب أن عقد اجتماعا مع رؤساء الفرق و المجموعة النيابية، يوم 30 مارس 2020 تم التأكيد فيه على مواصلة البرلمان لمهامه بشكل عادي كما هو منصوص عليه في الدستور لتعقد الجلسة الافتتاحية لهذه الدورة بحضور رؤساء الفرق و المجموعة بالإضافة إلى عضوين اثنين من كل فريق او مجموعة، وايضا تعقد اجتماعات اللجان الدائمة بممثل واحد عن كل فريق او مجموعة، وهو الأمر الذي فتح نقاشا دستوريا بخصوص التصويت في مجال التشريع، حيت ان حيث أن منطوق الفصل 60 من الدستور ينص على انه “يتكون البرلمان من مجلسين ،مجلس النواب ، ومجلس المستشارين ويستمد أعضاؤه نيابتهم من الأمة ، وحقهم في التصويت حق شخصي لا يمكن تفويضه….. ” وهو ما لم يتم العمل به من طرف مكتب مجلسي البرلمان.
إن انعقاد البرلمان بمجلسيه في هذه الدورة الربيعية رغم ما تجتازه البلاد من ظروف هو تجسيد للأدوار المهمة التي تضطلع بها المؤسسة التشريعية مواكبة منها لهذه الظرفية الاستثنائية. فلا يقبل أن يبقى البرلمان مكتوف الأيدي أمام ما تواجهه البلاد من انعكاسات لهذه الجائحة على جميع المستويات، بل يتحتم عليه الانخراط الفعلي والعملي إلى جانب السلطة التنفيذية في التصدي لهذا الوباء، تعزيزا وتجسيدا لمبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها، حسب ما هو منصوص عليه في الفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور. كما أن الظرفية الحالية تحتم على ممثلي الأمة العمل على مراقبة العمل الحكومي خصوصا في ما يتعلق بالحقوق والحريات، على اعتبار أن فترة الطوارئ الصحية تعرف تقييدا لبعض الحقوق والحريات من جهة، ومن جهة أخرى، لأن الحكومة تمتلك في هذه الفترة من الوسائل والإمكانيات، ما يسمح لها بتجاوز النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل عن طريق اتخاذ جميع التدابير اللازمة التي تقتضيها الحالة بموجب مراسيم ومقررات تنظيمية وإدارية، أو بواسطة مناشير وبلاغات
أن انعقاد البرلمان في هذه الظروف الخاصة –حالة الطوارئ الصحية – سيمكن من تفعيل مبدأ دستوري صريح هو مبدأ فصل السلط وتوازنها وتعاونها والذي يعد من أهم مقومات النظام الدستوري المنصوص عليه في الفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور. ولهذا فمواجهة هذه الجائحة يفرض تعزيز التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما يفرض استحضار المصلحة العامة للوطن قبل أي اعتبار آخر، لأن في ظرف طارئ من قبيل حالة الطوارئ الصحية يجب أن تتوحد جهود الأغلبية والمعارضة لاتخاذ كل ما يلزم لمواجهة هذا الوباء.

وهل على الحكومة العمل بمقتضى الفصل 70 من الدستور الذي ينص على أن الحكومة يمكنها أن تتقدم للبرلمان بمشروع قانون يخول لها ممارسة الوظيفة التشريعية عن طريق مراسيم تدابير طيلة فترة الطوارئ الصحية ؟

وفي الخلاصة، يجب التأكيد بشكل قاطع على انعقاد البرلمان في هذه الدورة العادية لايشكل خرقا للدستور، وإنما هو التزام بنهوض المؤسسة التشريعية باختصاصاتها عن طريق القيام بعملها بالمواكبة والمساءلة والمراقبة واقتراح الحلول والبدائل كما جاء في بلاغ مجلس النواب حول اجتماع رئيس المجلس مع رؤساء الفرق والمجموعات النيابية وانعقاد البرلمان في هذه الدورة أيضا هو تأكيد على الدور الهام الذي من المفترض أن يضطلع به ممثلو الأمة في التعبير عن مشاغل وقضايا المواطنين و الدفاع عنها.
وبناء على ما سبق فالدستور والمنطق يفرضان انعقاد البرلمان في احترام تام لمقتضيات الدستور..
وفي الأخير ينبغي الإشارة إلى أنه حان الأوان لإعادة النظر في مقتضيات النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان وتضمينهما لكل التفاصيل المتعلقة بعدد ونوعية الحضور وتدابير انعقاد الجلسات واللجان في حالة طارئة كحالة الطوارئ الصحية.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد