نظرية العقد الاجتماعي في الفكر السياسي لجان جاك روسو

موند بريس : اعداد عبدالرحمان بوعبدلي

برز في القرن السابع عشر والثامن عشر كثير من منظري العقد الاجتماعي والحقوق الطبيعية، من هم هوغو غروتيوس (1625)، توماس هوبز (1651)، صموئيل فون بوفندروف (1673)، جون لوك (1689)، جان جاك روسو (1762)، وإيمانويل كانط (1797). وقد حاول كل منهم حل مسألة السلطة السياسية بشكل مختلف. فقد افترض غروتيوس أن للبشر حقوق طبيعية. وقال توماس هوبز قوله الشهير بأن الحياة الإنسانية في “الحالة الطبيعية” ستكون منعزلة ، فقيرة ، مقرفة، بهيمية، وقصيرة. ففي غياب النظام السياسي والقانون ، ستغدو لدى الجميع حريات طبيعية لا حد لها، بما في ذلك حق الوصول إلى كل شيء، مما يعني أيضا حرية النهب ، الاغتصاب ، والقتل ، فستكون هنالك “حرب كل ضد ” لا نهاية لها (4) . ومن أجل تفادي ذلك ، على الرجال الأحرار التعاقد لإنشاء مجتمع سياسي (مجتمع مدني) بعقد اجتماعي ينعمون من خلاله بالأمان ، وذلك لقاء خضوعهم لسلطة مطلقة لرجل أو مجلس من الرجال. وعلى الرغم أن أوامر السلطة قد تكون استبدادية ومتعسفة، إلا أن هوبز رأى في الحكومة المطلقة البديل الوحيد للأناركية المرعبة في الحالة الطبيعية. وأكد هوبز أن البشر يوافقون على التنازل عن حقوقهم لصالح سلطة الحكومة المطلقة (ملكية كانت أم برلمانية). عارض بوفندروف معادلة هوبز عن الحالة الطبيعية والحروب . كما قدم جون لوك وجان جاك روسو بديلا، فجادلا بأننا نحصل على حقوقنا المدنية مقابل قبولنا بالالتزام بمراعاة والدفاع عن حقوق الآخرين، متخلين بذلك عن بعض حرياتنا.
وعليه فالفرضية الرئيسية التي تنادي بها نظرية العقد الاجتماعي هي أن القانون والنظام السياسي ليسا طبيعيين، بل هما من اختراع البشر. يعمل العقد الاجتماعي والنظام السياسي الذي ينشأ عنها كوسيلة للوصول إلى غاية، وهي منفعة الأفراد الذين يشملهم العقد الاجتماعي ، ويكون العقد الاجتماعي شرعيا فقط ما داموا يؤدون ما اتفقوا عليه.
ورغم أهمية وإسهامات كل من هوبز ولوك في نظرية العقد الاجتماعي، بقي أن نتساءل عن الجديد الذي جاءت به نظرية جان جاك روسو حول العقد الاجتماعي بالمقارنة مع ما كان سائدا في عصره؟ وما هو التأثير الذي أحدثته نظريته السياسية في المجتمع الغربي على الكتابات السياسية؟
المطلب الأول:الجديد في نظرية العقد الاجتماعي ل”جان جاك روسو”
هناك رأي يقول بأن فلسفة أي فيلسوف ما هي إلا انعكاس لحياته وبيئته ونوع ثقافته، إلا أنه لدينا على الأقل في جان جاك روسو وفلسفته دليلا واضحا يؤكد هذا الرأي إلى حد كبير، حيث أن دراسة الظروف والملابسات التي اكتنفت حياة هذا الفيلسوف وطبيعة البيئة التي نشأ فيها وأنواع الفلسفات والعلوم التي شكلت ثقافته، توضح بلا شك الكثير من المهمة في فلسفته وتكشف.النقاب.عن.حقيقة.موقفه.من.الفكر.السياسي.الحديث(5).
ولد جان جاك روسو أبرز ممثلي الاتجاه المساواتي وفلاسفة الأنوار من أسرة يهودية برجوازية ذات أصول فرنسية في مدينة جنيف، انخرط في مشاكل الحياة منذ طفولته المبكرة، حيث توجه تحت إكراه أبيه إلى تعلم الصناعة منذ الثللثة عشرة من عمره لدى رب عمل قاس وشديد، فغادر روسو المدينة هربا منه وهو في السادسة عشرة من عمره، فأخذ يمنهن شتى الحرف في سويسرا وإيطاليا، وبعد ثمان سنوات تعرف في (سافوي) على سيدة ثرية يسرت له شيئا من الاستقرار المادي، فاستطاع تكوين نفسه، حيث تعلم الموسيقى والألسنة وقرأ كتب الفلاسفة وبعد خمس سنين قصد باريس ثم غادرها إلى البندقية، وعاد إلى باريس وهو في الثالثة والثلاثين؛ وأخذ يتردد على العديد من المفكرين خاصة ديدرو .
وخلال رحلته الفكرية الخالدة أعطى جان جاك روسو للبشرية عديدا من المؤلفات، كان أولها مقالته(إميل Emile) وهي المقالة التي أهلته للفوز بالجائزة الأولى لأكاديمية دينجون وكانت المسابقة حول عنوان:” هل أدى تقدم العلوم والفنون إلى فساد الأخلاق أو إلى إفسادها ؟”؛ ونشر بعد ذلك كتاب تحت عنوان مقال في أصل التفاوت بين البشر discours sur
l’origine de l’inégalités parmi les Hommesوكتب مجموعة من المقالات الأخرى التي كانت تعبر عن أفكار فرد من الشعب عرف طفولة بئيسة وشباب ضائع حتى أن أفكاره ظهرت وكأنها ثورة ضد قيم مجتمع متبرج لا يهتم إلا بملذاته ، وربما كان هذا هو السبب.في.أنه.أصبح.مفكر.ثورة .
ففلسفة جان جاك روسو ومواقفه السياسية لا تنفصل عن السياق التاريخي للقرن الثامن عشر؛ فقد شكل إلى جانب مجموعة من المفكرين تيارا فلسفيا يعنى بإحلال المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية أمام جبروت الحكم المطلق وأمام الوصاية التي تفرضها الكنيسة على الإنسان ؛ إذ أن الخيط الرابط الذي يجمع الأدبيات الأنوارية هو التنظير للفكر البرجوازي ولنظامه الذي بدأ يتبلور شيئا فشيئا، إذ أن معظم فلاسفة الأنوار قد وضعوا صوب اهتماماتهم نقد وتقويض دعائم النظام الفيودالي (6) الذي سيطر على الحياة العامة في جميع المستويات الاقتصادية.والسياسية.
كما تتجلى هذه الفلسفة ايضا من خلال صياغته لنظرية العقد الاجتماعي خصوصا عند تحليله لحالة الطبيعة وتطرقه لمسالة الارادة العامة وفكرة السيادة واعتبار ان القانون هو تعبير عن هذه الارادة.
1- الحالة الطبيعية عند جان جاك روسو: ينطلق جون جاك روسو في فلسفته من أطروحة الحالة الطبيعية السابقة لظهور القوانين والدولة، وهو يؤكد منذ البداية على أن مرحلة الطبيعة هي مرحلة افتراضية فقط؛ على اعتبار أنها لا يمكن أن تصبح واقعية أو خيالية لأن الشواهد والوثائق التاريخية ، لم تكشف عن وجود مرحلة تاريخية بهذه التسمية ” حالة الطبيعة”؛ لكن على الرغم من ذلك فإن الانطلاق من هذه المرحلة يبقى ضروريا لإبراز كيفية الانتقال من حالة إلى أخرى. يقول جون جاك روسو” إن البشر في حالة الطبيعة ليسوا لا صالحين ولا أشرارا، إذ لا تجمع بينهم أية علاقة أخلاقية أو واجبات مشتركة”، وهنا يتعارض مع هوبس الذي يعتقد بأن الإنسان الطبيعي شرير بطبعه لأنه لا يمتلك أي فكرة عن الخير والشر مفطور على تحقيق رغباته وتلبية شهواته .
لكن في المقابل يرى جون جاك روسو أن الإنسان بطبيعته بسيط يحب ذاته ويدافع عن مصالحه، وفي نفس الوقت يتعاطف مع الآخرين، فالإنسان شعوريا ووجدانيا، يسعى للاجتماع بغيره من الناس، لأن الناس في حالة الطبيعة خيرون لا يوجد فيهم المكر والخداع وروح العدوان والغدر الذي تحدث عنه هوبس، حيث كان الناس في حياة الطبيعة محكومين بالطبيعة البشرية التي هي ضد الشرور وضد تسلط أحد على أحد، أما الشرور والمفاسد فهي لا تنتمي إلى الطبيعة البشرية بل هي من فعل المدنية والتقدم، وبفضل الملكية الخاصة .
كان الإنسان في مرحلة الطبيعة يتميز بالحرية التي تسمح له بتحقيق كل أهدافه بدون قيد أو شرط يكبل إرادته، حيث يؤكد روسو في كتابه أصل التفاوت بين البشر على ” أن أفراد المجتمع قد عاشوا أحرارا وصالحين طالما قنعوا بكوخهم البسيط، واكتفوا بلباس الجلود ثيابا وبالريش زينة ؛ أي طالما لم ينشغلوا إلا بالأعمال التي في مقدور فرد واحد القيام بها، لكن ما أن راودت الإنسان حاجة إلى أن يؤازره أخر حتى اختفت المساواة وظهرت الملكية وغدا العمل.ضروريا”.
2- حالة الانتقال الى الاجتماع البشري(7): يعصف الاجتماع البشري إذن في نظر روسو بالحياة الخيرة للإنسان ويدخلها في دواليب التدهور والانحطاط ، وفي هذه المرحلة يبدأ التفاوت والاستغلال على اعتبار أن المجتمع والاجتماع يتأسس على المصلحة الخاصة وليس على المصلحة العامة، وبالتالي فإن تضارب المصالح من شأنه أن يِؤدي إلى الصراعات ويسبب.في.التناقضات.
أدى ظهور الملكية إذن إلى نزوع الجنس البشري نحو التدهور، يقول روسو: ” إن أول من سيج أرضا وقال هذا ملك لي، ووجد أناسا يصدقونه كان المؤسس الحقيقي للمجتمع المدني” لكن ليس المجتمع المدني بالمعنى الذي نتداوله حاليا لكن التجمع الإنساني.
يذهب روسو إلى اعتبارا الملكية عامل سلبي في تاريخ الإنسانية إذ أن ملكية الأرض تولد اللامساواة ويؤدي إلى صراع المصالح والاستغلال والعبودية .
والحقيقة أن هذا المقال ” أصل التفاوت بين البشر” قد ألهم مجموعة من الباحثين والمفكرين الماركسيين للبحث في أصل التفاوت والتمايز الطبقي ذلك أن روسو يدعو ضمنيا إلى نوع من الملكية الجماعية للأرض وعدم تقسيمها على شكل ملكيات ،ذلك أن التقسيم هو السبب الأساسي في حدوث التفاوت بين البشر.
3-الـــعقــــد الاجتماعي: وبوصول الناس إلى ذلك الحد الذى تغلبت فيه العقبات التى تضر ببقائهم فى حالة الطبيعة ، على القوى التى يستطيع كل فرد استعمالها من أجل استمراره فى تلك الحالة . عندئذ لم يعد فى مكنة تلك الحالة البدائية أن تدوم ، وكان الجنس البشرى سيهلك لو لم يغير طريقة وجوده . فكان لابد من البحث عن شكل للوحدة أو الاجتماع من شأنه أن يحمى ويقى شخص كل عضو وأمواله ، شكل للوحدة يكون فيه كل عضو وقد اتحد مع الأعضاء الآخرين غير خاضع مع ذلك إلا لنفسه ، ويظل متمتعاً بالحرية التى كان يتمتع بها من قبل . تلك هى المشكلة الحقيقية والرئيسية التى يبحث العقد الاجتماعى عن الحل الصحيح لها .(8)
والعقد الاجتماعى عند روسو هو ميثاق يتنازل بموجبه الأفراد كلٌ عن نفسه للجماعة ، والفرد جزء من هذه الجماعة ، وبذلك ينهى العقد عهد الفطرة ، ويعمل على إنشاء المجتمع ، حيث تصبح السيادة والسلطان من حق المجموع ككل لا من حق فرد واحد ، إذ يتنازل كل فرد عن حقوقه للمجتمع كله حينما ينطق بالصيغة التالية ” يُسهم كل منا بشخصه وبكل قدرته تحت إدارة الإرادة العامة العليا ، ونلتقى على شكل هيئة كل عضو كجزء لا يتجزأ من الكل”.
فالعقد الاجتماعى عند روسو يفترض إذن من طرف كل فرد تنازلاً حقيقياً حراً بين يدى الجماعة ، ولا غنى عن هذا التنازل ؛ لأنه هو وحده الذى ينقذ مساواة المواطنين وحريتهم . فعندما يتنازل كل شخص عن شخصه تنازلاً كلياً ، فإن الوضع يكون متساوياً بالنسبة للجميع ، وعندما يقرر كل فرد نهائياً وبشكل حر ، أن يريد ما تريد المشيئة العامة، فإنه لا يفعل فى طاعته لها سوى ما يريد هو نفسه .
ويتفق روسو مع هوبز فى افتراضه تنازل الفرد عن كامل حقوقه ، إلا أنه يختلف معه فى أنه لا يتنازل عنها لفرد بل للمجتمع كله . حتى أنه ليصدق قول روسو : كل فرد يهب نفسه للجميع لا يهب نفسه لأى أحد ، إلا أن هذا الكلام ينطوى على مغالطة ؛ لأن روسو ينتهى إلى ما انتهى إليه هوبز من افتراض ليفياثان آخر غير ليفياثان هوبز ، هو ليفياثان المجتمع كله فى حين أن ليفياثان هوبز هو فرد ، ولكن فى حين يجمع ليفياثان هوبز بين سلطات التشريع والتنفيذ ، فإن المجتمع عند روسو يقتصر على التشريع . وتنشأ الحكومة Governement كواسطة لتنفيذ القوانين، ولا يتطلب قيام الحكومة عقداً، إذ العقد عنده أساس لقيام المجتمع .
كما أنه يسلك مسلكاً مخالفاً للوك ، ففى حين يتنازل الأفراد عند لوك عن القدر اللازم لإقامة السلطة والمحافظة على حقوق الجميع ، فالسلطة عند روسو لابد أن تكون مقيدة ، فروسو يرى أن الأفراد يتنازلون كلية ودون تحفظ عن جميع حقوقهم للمجموع ، إلا أن هذا النزول لا يُفقد الأفراد حرياتهم وحقوقهم نهائياً ؛ لأنهم سيستعيضون عنها بحريات وحقوق مدنية تقررها لهم الجماعة المدنية التى أقاموها ، بل إن وجود هذه الجماعة يفترض وجود هذه الحقوق والحريات المدنية ؛ لأنها ما قامت إلا لحمايتها . وصيغة العقد التى افترضها روسو وطبيعته تحمل فى ثناياها إلى جانب الحرية ، المساواة التامة ؛ لأن الأفراد بردهم أنفسهم إلى المجتمع ، يعودون إلى نقطة الصفر ، فتتحقق المساواة التامة بينهم ، كما أن اتحادهم يكون كاملاً بالإطلاق لا يسمح بأية أفضلية لأى فرد.
4- الإرادة العـــــــــــامــــــــة :يُعرِّف روسو الإرادة العامة La Volonté Génerale/General Will فى كتابه الاقتصاد السياسى Political Economy /Economie Politique بقوله : أن للمجتمع السياسى شخصية معنوية ذات إرادة هى الإرادة العامة ، التى تنحو دائماً نحو تحقيق وصيانة الرفاهية للمجتمع ، وهى مصدر القوانين ، وتتكون من كل الأفراد فى علاقتهم بعضهم ببعض وحكمها عادل غير جائر .
ولقد ميز روسو بين الإرادة العامة وبين كل من إرادة الفرد وإرادة المجموع ؛ فاعتبر إرادة الفرد أنانية لأنها انعكاس لمصالح الفرد الشخصية . وبالنسبة لإرادة المجموع فإن روسو يعتبرها أيضاً أنانية لأنها تَجمُّع لإرادات الأفراد ، أى للمصالح الأنانية الفردية . أما الإرادة العامة فهى إرادة الأغلبية ، وهى تمثل إرادة الجماعة ككل كشخصية اعتبارية ينصهر فيها الأفراد وإراداتهم ، وهى مستقلة عن إرادة الفرد أو إرادة المجموع ، بل إنها تصبح بدلاً من الشخصية الخاصة لكل متعاقد .
ولقد جمع روسو فى نظريته عن الإرادة العامة بين الجانب الدقيق الذى حدده هوبز عن السيادة La souvrainté/ Sovereignty وبين مشاعر لوك المؤيدة للحرية ، وحاول إيجاد مفهوم جديد للسيادة تمتزج فيه الحرية بالسلطة امتزاجاً غريباً . إذ يرى روسو أن الشعب هو السيد بالتعريف ، وأن سيادته لا تُباع ولا تُشترى ، وغير قابلة للتحويل أو التصرف فيها ، وليس فى وسع الشعب أن يتنازل عن السيادة ، وهى وحدة لا تتجزأ وكلٌ لا تنفصم عراه ؛ ولذا فهى غير قابلة للتقسيم Indivisible .ويرى روسو أن الإرادة إما أن تكون عامة أو لا تكون ، أى أنها إما أن تكون إرادة الشعب ، أو إرادة جزء منه ، فى الحالة الأولى تكون الإرادة عملاً من أعمال السيادة ويتكون عنها القانون ، وفى الحالة الثانية لا تكون سوى إرادة خاصة أو عمل من أعمال الحكم . فالسيادة إذن تعبير عن الإرادة الكلية العامة للشعب ، وهى تتميز بالإضافة إلى كونها لا تُباع ولا تُشترى ، وكونها غير قابلة للتقسيم ، فإنها لا تُخطئ ، إذ أنها معصومة من الخطأ . ولا يحد السيادة العامة إلا حد وحيد هو الذى يرسمه العقد الاجتماعى نفسه ، ونعنى به حقوق الفرد فى التملك وفى الحرية .
ويرى روسو أن أساس الإرادة بصفة عامة هو المنفعة (9)، ومن ثم ترتبط إرادات الأفراد بمنافعهم التى قد تتعارض فيما بينها فى كثير من النقاط ، أما الإرادة الكلية العامة فتوضح أن المنفعة بين الجميع واحدة ، ومن هنا فهى تهدف إلى تحقيق المنفعة العامة لا منفعة كل فرد على حدة . وهذه المنفعة العامة هى التى تجعل فى الإمكان قيام الدولة . ومعنى هذا أنه إذا لم تنصهر الإرادات الفردية فى إرادة واحدة هى الإرادة الكلية العامة استحال أن يقوم المجتمع .
وبناءً على ما تقدم من إطلاق روسو ليد الإرادة العامة بشخصيتها الاعتبارية ، والتى اعتبرها كلية لا تقبل التجزئة ، واعتبر طاعتها واجبة ، يبدو وكأنه قد وضع سلاحاً فى يد بعض الداعمين للفكر المطلق . فيرى الباحث أن ثمة التقاءاً بين هوبز وروسو فى مطلقية السيادة ، وإن اختلفا فى تحديد صاحب السيادة ، إلا أن الإطلاق فى حد ذاته يحمل بذور إساءة الفهم والاستخدام ، فقد يُتخذ كذريعة لأهداف لا يقصد إليها صاحب الفكرة نفسه . كما أن السياسة لا تعرف لغة المطلق ، فالسياسة فى أحد أبسط معانيها هى فن الممكن ، فبالتالى فإن المطلق ضد طبيعة السياسة ، سواء كانت فى السيادة أو فى غيرها .
ومن العرض السابق لفلاسفة العقد الاجتماعى نجد أن ثلاثتهم كان لساناً صادقاً فى التعبير عن طبيعة عصره واحتياجاته ، كما أنهم دفعوا الفكر التحررى خطوات هامة نحو الأمام ، وتمثلت تلك الخطوات على النحو التالى :
– مرحلة التحالف مع السلطة الزمنية ؛ من أجل القضاء على سلطة الكنيسة التى كانت إحدى المعوقات الأساسية فى إرساء دعائم النظام الجديد ، فتطلبت طبيعة هذه المرحلة القضاء على هذه السلطة المعوقة . ولقد عبر عن طبيعة هذه المرحلة الأولى من تاريخ الليبرالية ” هوبز ” وذلك من خلال تأييده لسلطة الملك فى مقابل القضاء على سلطة الكنيسة التى رأى أنه لابد أن تخضع لسلطة الحاكم ، فوجود سلطتين حاكمتين يؤدى إلى القضاء على السلطة كلية وانتشار الفوضى .
– مرحلة الحد من السلطة الزمنية ؛ لصالح البرجوازية الناشئة ، أو الطبقة الوسطى Middle Class /La Classe Moyenne، ولقد عبر ” لوك ” عن هذه المرحلة ودافع عن مطالب أصحابها من خلال كتاباته حول النظام الدستورى والحياة النيابية ، التى تُقلص سلطة الحاكم وتُقلل من صلاحياته المطلقة ، وذلك لصالح الطبقة الناشئة وهى الطبقة الوسطى .
– مرحلة التحول إلى الشعب ، ولقد عبر عن هذه المرحلة ” روسو ” من خلال نظريته عن الإرادة العامة ، حيث لا سلطة عنده تعلو على سلطة الإرادة العامة ، فهى لا تُباع ولا تُشترى ، وغير قابلة للتقسيم ، كما أنها لا تُخطئ ، إذ أنها معصومة من الخطأ . كما أنه يرى أن القانون ما هو إلا فعل الإرادة العامة .
والواقع أن كل فيلسوف من فلاسفة العقد الاجتماعى ، إلى جانب كونه عبر عن طبيعة عصره وحاجاته خير تعبير ، فإن كلاً منهم أيضاً قد ساهم بنصيب فى بلورة ملامح الفكرالتحررى،بما.يحمله.من.دفاع.عن.الحرية.الفردية.

المطلب الثاني : التأثير الذي أحدثته نظرية روسو السياسية في المجتمع الغربي

إن مساءلة الفكر الحداثي انطلاقا من استحضار مختلف المساهمات الفلسفية التي أثثت سياق ومجال اشتغاله يفرض علينا بالضرورة الوقوف على محطة أساسية من تاريخ الفلسفة السياسية الحديثة، يتعلق الأمر بالجديد الذي أدخله جون جاك روسو على المجال النظري في البحث.السياسي.
يعتبر جان جاك روسو من أبرز ممثلي عصر الأنوار والاتجاه المساواتي إلى جانب مجموعة من الباحثين والفلاسفة أمثال فولتير، مونتيسكيو، ديدرو ودالامبير…إذ يجسد جان جاك روسو من خلال أعماله الرائدة الفيلسوف المهموم المشغول بمشاكل عصره والمنخرط انخراطا فعالا في النقاشات السياسية المتجددة الرهانات والانتظارات التي تسعى الحكومات الحديثة إلى تحقيقها ؛ حيث وجه النقد اللاذع الى مختلف الظروف التي كانت تعيشها فرنسا وأوروبا قبل الثورة الفرنسية، الأمر الذي أكسب كتاباته صفة الراهنية بحيث تحضر الروح الفكرية لجون جاك روسو في التحليل السياسي للفلسفة المعاصرة مع جون راولز وإيمانويل كانط هذا الأخير الذي اعترف في مناسبات عديدة بفضل جون جاك روسو على تفكيره السياسي بحيث يقول:(10)” مضى زمن كنت أعتبر البحث عن الحقيقة وحده كاف لأن يكون شرف الإنسانية؛ وكنت أحتقر الإنسان العادي الذي لا يعرف شيئا؛ وقد دفعني روسو على الطريق المستقيم؛ لقد تلاشى هذا الحكم الأعمى وتعلمت احترام الطبيعة الإنسانية، ولقد اعتبرت نفسي أقل فائدة بكثير من العامل البسيط، إذ لم أعتبر أن فلسفتي من الممكن أن تساعد.البشر.على.إثبات.حقوقه.الإنسانية.”.
وإذا علمنا كذلك بأن انطلاقة التنوير هي فرنسية استطعنا مسك خيوط مقدار التأثير الذي مارسه روسو إلى جانب العديد من المفكرين من خلال العمل على نشر الأفكار التي تساير قيم الحرية والتقدم والمساواة والإخاء محدثين بذلك شرارة تجسدت واقعيا وعمليا في حدث الثورة الفرنسية التي عبرت في جوهرها عن دعوات الإنسانية المناهضة لسلطة القهر والاستبداد.

يتبع ……..

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد