ثقافة الإمتنان القسري: لماذا نشعر بالذنب حين نضع حدودا ؟

موند بريس /  بقلم: دة.سعاد السبع

في الوعي الجمعي يُقدَّم الامتنان بوصفه فضيلة أخلاقية عليا. غير أن هذا التقديم حين ينفصل عن السياق الإنساني، يتحوّل تدريجيا إلى معيار للحكم على الأشخاص. لا يُسأل الفرد عمّا يشعر به، بل عمّا إذا كان “شاكرا بما يكفي”. وهنا لا يعود الامتنان إحساسا داخليا، بل يصبح وضعية نفسية مفروضة.

تُشير الباحثة في موضوع العار والذنب برينيه براون إلى أن القيم حين تُستخدم لضبط السلوك بدل حماية الكرامة، تفقد بعدها الإنساني، وتتحوّل إلى مصدر ضغط داخلي. في هذه الحالة لا يشعر الفرد بالامتنان بل بالخوف من فقدان الاعتراف إن تراجع أو اعترض.
و يمكن فهم الامتنان القسري بوصفه آلية اجتماعية ناعمة لكونها لا تُمارَس بالعقاب بل بالإيحاء، ولا تُفرض بالقوة بل بتأنيب الضمير.

الجذور النفسية: كيف يُصنَع الذنب؟

الشعور بالذنب الذي يظهر عند وضع الحدود لا ينشأ فجأة. إنه نتاج مسار طويل من التنشئة العاطفية التي تربط القيمة الذاتية بالاستجابة الدائمة. حيث يتعلّم الفرد منذ الطفولة أن يكون “جيّدا” حين لا يُتعب الآخرين، وحين يؤجّل حاجاته، وحين يظل متاحا.
وقد شرحت المعالجة النفسية هارييت ليرنر أن الذنب يظهر غالبا عند الأشخاص الذين اعتادوا لعب دور المُرضي للآخرين، مؤكدة أن احترام الذات في هذه الحالات يرافقه اضطراب داخلي لأن النفس لم تتدرّب على التوازن، بل على التكيّف المفرط.
في هذه الحالة لا يكون الذنب دليلا على خلل أخلاقي، بل أثرا جانبيا لبدء الاستقلال النفسي. إنه علامة انتقال، لا علامة انحراف.

الامتنان القسري والارتباط المشروط

في العلاقات التي يسودها الامتنان القسري يُربط القرب بالامتثال، ويُكافأ الاستمرار بالصمت. فيصبح المعروف القديم حاضرا في كل خلاف، ويُستدعى الماضي كلما حاول الفرد إعادة تعريف موقعه.
ويرى الطبيب والباحث في الصدمة النفسية غابور ماتي أن كثيرا من البالغين يخلطون بين الحب والتخلّي عن الذات، لأنهم تعلّموا في طفولتهم أن القبول مشروط. هذا الخلط يجعل أي محاولة لرسم حدّ تبدو تهديدا للعلاقة، لا خطوة نحو نضجها.
وفي هذا الإطار يتحوّل الامتنان إلى رابطة غير متكافئة كون طرف يعطي ليبقى، وطرف يتلقّى ليضمن الاستمرار.

الحدود كتهديد للنظام العاطفي القائم

الحدود لا تُقلق لأنها قاسية، بل لأنها تكشف الخلل. حين يقول الفرد “لا أستطيع”، أو “هذا يرهقني”، فهو لا يغيّر سلوكه فقط، بل يغيّر ميزان العلاقة. وهذا ما يجعلها تُواجَه غالبا بالاستغراب أو الاستياء أو التلميح بالجحود.
يشير عالم النفس الإنساني إريك فروم إلى أن الحرية شرط أساسي لأي عطاء ذي معنى، لأن العطاء الذي يُنتزع يفقد قيمته الإنسانية. وعندما تُلغى حرية التوقّف، يتحوّل العطاء إلى وظيفة نفسية مُرهِقة.

الحدود هنا ليست موقفا ضد الآخر، بل استعادة للذات داخل العلاقة.

من الاستنزاف إلى الإنهاك الوجودي

الاستمرار في العطاء دون مساحة للانسحاب لا يؤدي فقط إلى التعب، بل إلى تآكل داخلي صامت. حيث يبدأ الفرد بفقدان الإحساس بذاته، ثم يفقد قدرته على التمييز بين ما يريده وما يُتوقّع منه.

وتؤكد الكتابات السريرية أن الإنهاك العاطفي لا ينتج غالبا عن كثرة المسؤوليات، بل عن غياب الاعتراف بالحدود حين لا يُسمَح للفرد أن يتوقّف دون شعور بالذنب عند ذاك يتحوّل التعب إلى حالة مزمنة.
وهنا يصبح الامتنان المفروض عبئا نفسيا، لا رابطا إنسانيا.

الامتنان القسري كبنية اجتماعية

لا يقتصر هذا النمط على العلاقات الشخصية، بل يمتد إلى الفضاء الاجتماعي الأوسع. يُشجَّع الأفراد على الشكر بدل السؤال، وعلى التحمّل بدل النقد. ويُحتفى بالصابر أكثر من الواعي، وبالممتن أكثر من المتوازن.
في هذا السياق يتحوّل الامتنان إلى أداة تهدئة اجتماعية تُخفّف التوتر الظاهري، لكنها تُراكم الاحتقان في العمق.

إعادة تعريف الامتنان والحدود

الامتنان الصحي لا يُنتزع ولا يُستدعى عند الخلاف. هو إحساس حرّ، ينمو حين يشعر الفرد بالأمان، لا حين يخاف من فقدان القبول. والحدود ليست قطيعة، بل لغة تنظيم نفسي تسمح للعلاقات بالاستمرار دون تشوّه.

فالاقتراب الحقيقي لا يحدث حين نلغي أنفسنا، بل حين نكون حاضرين بوعينا وحدودنا معا.

حين نشعر بالذنب لأننا وضعنا حدّا، قد نكون في لحظة تحوّل لا في لحظة خطأ. لحظة نعيد فيها التوازن بين الامتنان والكرامة، وبين العطاء والقدرة، وبين العلاقة والذات.
وفي عالم يُكافئ التكيّف أكثر مما يحترم الوعي، يصبح وضع الحدود فعل نضج صامت، لا يحتاج إلى تبرير، بل إلى شجاعة داخلية تعترف بأن الإنسان لا يُقاس بقدر ما يتحمّل، بل بقدر ما يعرف متى يتوقّف.

 

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد