موند بريس.
سجلت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان استمرار الفوارق بين الترسانة القانونية المتطورة والتنزيل الفعلي لمقتضياتها على أرض الواقع، مطالبة بوضع خطة مستعجلة لملاءمة القوانين الوطنية مع المعايير الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والتفاعل مع توصيات مختلف آليات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وقالت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، بمناسبة اليوم الوطني للأشخاص في وضعية إعاقة الذي يصادف أمس الاثنين 30 مارس، إن الوضعية لا تزال محفوفة بتحديات مركبة تحول دون التمكين الفعلي للأشخاص الذين يعانون من إعاقة، مشيرة إلى أن نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، والصادرة في مارس 2026، كشفت عن فجوة عميقة في المسار التعليمي والمهني؛ حيث تظهر المعطيات أن حوالي 67.7% من الأشخاص في وضعية إعاقة لا يتوفرون على أي مستوى دراسي، وهي نسبة ترتفع بشكل مقلق في صفوف النساء القرويات، مما يبرز محدودية ولوج هذه الفئة إلى تعليم دامج وجيد.
وأكدت المنظمة أن الإقصاء التعليمي لهذه الفئة يلقي بظلاله مباشرة على الحق في العمل، إذ تشير الدراسة إلى أن نسبة المشتغلين من ذوي الإعاقة لا تتجاوز 8.9%، يتركز أغلبهم في القطاع الخاص أو العمل المستقل، بعيدًا عن ضمانات الوظيفة العمومية والقطاعات المهيكلة.
على المستوى التشريعي والسياسي، سجلت المنظمة استمرار “العقلية المناسباتية” في التعامل مع ملف الإعاقة، وغياب سياسة وطنية مستدامة لإذكاء الوعي بمحاربة الصور النمطية والتمييز، منتقدة التأخر الواضح في ملاءمة القوانين الوطنية مع المعايير الدولية، خاصة الاتفاقية الدولية التي صادق عليها المغرب منذ 2009.
وأشارت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان إلى استمرار إصدار أو مراجعة قوانين حيوية، كالقانون الجنائي وقانون التغطية الصحية وقوانين الانتخابات الصادرة مؤخرا، دون تضمينها لمقاربة حقوقية دامجة تتماشى مع الالتزامات الأممية للمملكة.
كما سجلت المنظمة تعثرا في استكمال إصدار النصوص التنظيمية للقانون الإطار، وتلك المتعلقة بقانون الولوجيات الصادر منذ عام 2003، بالإضافة إلى التأخر الملحوظ في إرساء النظام الجديد لتقييم الإعاقة، مشددة على أن هذا البطء الإداري يؤثر سلبًا على عملية إصدار “بطاقة الشخص في وضعية إعاقة”، التي تمثل مفتاحًا أساسيًا للاستفادة من الخدمات الاجتماعية والصحية، مما يعمق معاناة هذه الفئة ويحرم المجتمع من استثمار طاقات ومؤهلات جزء أصيل من نسيجه البشري في مجالات الثقافة والترفيه والمشاركة السياسية.
وخلصت المنظمة إلى ضعف التفاعل مع الملاحظات والتوصيات الصادرة عن الآليات الأممية الموجهة للمغرب، خاصة تلك الواردة في التقرير الختامي للجنة المعنية بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، مشيرة إلى أن الاستمرار في إنتاج النصوص دون تنزيلها الفعلي، أو إغفال بعد الإعاقة في القوانين الجديدة، يضع مصداقية السياسات العمومية على المحك، ويستدعي انتقالًا حقيقيًا من المقاربة الإحسانية أو القانونية الجامدة إلى مقاربة حقوقية شاملة تضمن الكرامة والمساواة الفعلية لكافة المواطنين دون تمييز.
وطالبت المنظمة باعتماد سياسة وطنية دامجة وجديدة مبنية بالأساس على المقاربة الحقوقية في بعدها المدني والاجتماعي، مع ضرورة إرفاق هذه السياسة بمؤشرات دقيقة للتقييم تضمن ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتضع حدًا للمبادرات الموسمية التي لا تلامس جوهر معاناة هذه الفئة.
كما دعت الهيئة الحقوقية إلى وضع خطة مستعجلة لملاءمة الترسانة القانونية الوطنية مع المعايير الدولية، بما يضمن التفاعل الإيجابي مع توصيات آليات الأمم المتحدة، موازاة مع إطلاق خطة وطنية شاملة لإذكاء الوعي المجتمعي، من أجل تفتيت الصور النمطية والتمييز الممنهج ضد الأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم، عبر تحديد مسؤوليات واضحة لكافة المتدخلين، وجعل الوعي الحقوقي رافعة أساسية لتحقيق الاندماج الكامل بعيدًا عن نظرة الإحسان أو الإقصاء.
وعلى المستوى السياسي والخدماتي، طالبت المنظمة باتخاذ تدابير قانونية وإجرائية فورية تمكّن الأشخاص في وضعية إعاقة من المشاركة باستقلالية تامة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، سواء كمصوتين أو كمترشحين. كما تلح على تعميم الولوجيات باعتبارها الضمانة الجوهرية التي تكفل الولوج العادل للحقوق والخدمات، مع التركيز على إصلاح منظومة التعليم لتصبح دامجة وشاملة من خلال تكييف المناهج البيداغوجية، وتأهيل الأطر التربوية، وتخصيص الاعتمادات المالية الكافية لضمان حق الجميع في تمدرس ذي جودة.
وفي الشق الاقتصادي، دعت المنظمة إلى دعم برامج الإدماج المهني عبر تحفيز المقاولات الصغرى والكبرى على تشغيل ذوي الإعاقة، وتشجيعهم على إطلاق مشاريع مقاولاتية خاصة بهم، مع فتح المجال أمام المجتمع المدني والجمعيات المتخصصة لمراقبة وتتبع تنفيذ هذه السياسات.
وشددت المنظمة على ضرورة “إعادة النظر في الصيغة الحالية للآلية الوطنية لحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التابعة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وفقا للمعايير الدولية، بما يضمن تمثيلية حقيقية للأشخاص المعنيين ويمنح الآلية الإمكانيات المادية والبشرية اللازمة للقيام بمهامها الرقابية والحمائية بفعالية”.
قم بكتابة اول تعليق