موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في الواجهات الاجتماعية المعاصرة، تتصدّر صورة الإنسان المتماسك المشهد العام. ذاك الذي يتحمّل، يواصل، يحتوي، ويبدو دائم الجاهزية مهما تعاقبت الضغوط. هذا النموذج يُقدَّم باعتباره ذروة النضج والقوة، ويُستدعى بوصفه مثالا يُحتذى. غير أن التمعّن في التجارب الفردية يكشف مفارقة صامتة، حيث كلما اشتدّ حضور الصلابة في الخارج، تزايد الاستنزاف في الداخل.
فالصلابة الزائفة تتشكّل حين يتحوّل التماسك من حالة نفسية مرنة إلى هوية مغلقة. حين يتعلّم الفرد عبر التجربة والتنشئة أن قيمته ترتبط بقدرته على الاحتمال، وأن القبول الاجتماعي يمرّ عبر الصبر الطويل، وأن التعب يجب أن يبقى خارج المشهد. في هذه النقطة يصبح ضبط المشاعر أسلوب عيش، ويغدو التحكم الداخلي معيارا للأمان، وتتحوّل الصلابة إلى درع دائم.
ففي علم النفس الديناميكي يربط هذا النمط بتاريخ طويل من التكيّف القاسي. فكثير من الأشخاص الذين يبدون شديدي التماسك مرّوا بظروف دفعتهم إلى الاعتماد المبكر على الذات، وإلى إغلاق دوائر الاحتياج، وإلى تحويل الانفعال إلى صمت منضبط. ويشير التحليل النفسي إلى أن ما يُضغط داخل النفس لا يختفي، بل يبحث عن مسارات بديلة للظهور. فالمشاعر التي لم تجد لغة تتحوّل إلى توتر، والاحتياجات المؤجّلة تتحوّل إلى إنهاك.
هذا الإنهاك لا يظهر دفعة واحدة بل يتسلل في صورة إرهاق دائم، وثقل داخلي، وتراجع في الحيوية، وتبلّد تدريجي في القدرة على الفرح. كما أن الجهد لا يُستنزف في مواجهة الحياة فقط، بل في الحفاظ على صورة متماسكة أمام الآخرين. وقد عبّر أحد الباحثين في علم النفس الصحي على أن الإنسان قد يتعب من إدارة ذاته أكثر مما يتعبه الواقع نفسه.
إما اجتماعيا فتجد الصلابة الزائفة تربة خصبة في ثقافة الإنجاز المتواصل. مجتمعات تُثمّن الاستمرارية، وتربط النجاح بالتحمّل، وتمنح التقدير لمن يواصل العطاء دون توقف. في هذا السياق يتحوّل التعب إلى مسألة خاصة، ويُدفع الفرد إلى معالجته في الخفاء، حتى لا تهتز صورته العامة. ويشير علم الاجتماع النقدي إلى أن هذا النوع من الضغط الرمزي يجعل الفرد شريكا في استنزاف ذاته، من خلال الدفاع عن مكانته داخل الجماعة.
وغالبا ما يُسند إلى أصحاب الصلابة الزائفة أدوار محورية داخل محيطهم. حيث يُنظر إليهم كمرجع، كدعامة، كأشخاص قادرين على الاحتواء والحكمة وضبط الانفعالات. فهذا الدور رغم ما يمنحه من اعتراف اجتماعي فهو يفرض كلفة نفسية عالية. حين تُغلق التوقعات المستمرة منافذ التعبير، وتُراكم شعورا داخليا بثقل المسؤولية، وتُبعد الفرد تدريجيا عن الإصغاء لذاته.
كما أن الجسد في كثير من الحالات يتولّى مهمة التعبير عمّا لم يُقَل. اضطرابات النوم، الشدّ العضلي، الصداع المتكرر، القلق المفاجئ، كلها إشارات إلى اختلال في التوازن الداخلي.
ويؤكد علم النفس الجسدي أن الجسد يحتفظ بذاكرة الضغط، ويترجمها حين تتجاوز النفس قدرتها على الاستيعاب.
في حين أن الفكر النفسي المعاصر يعيد طرح مفهوم القوة بوصفه قدرة على المرونة، وعلى التكيّف الواعي، وعلى الاعتراف بالحدود دون شعور بالتهديد، فالقوة التي تُبنى على الاستنفار الدائم تُنتج توترا مزمنا، بينما القوة التي تسمح بالتراجع المؤقت تفتح المجال لإعادة التنظيم الداخلي. وقد عبّر أحد المفكرين عن ذلك بقوله إن الإنسان ينهك حين يعيش أطول مما تحتمل طاقته، وليس حين يعترف بحاجته إلى التوقف.
الصلابة الزائفة إذن تُبقي صاحبها في حالة جاهزية مستمرة، كأن الراحة مخاطرة، وكأن التعب أمر يجب تجاوزه لا فهمه. ومع الوقت يتسع الشرخ بين الداخل والخارج، ويصبح الحفاظ على الصورة عبئا نفسيا مستقلا بذاته.
هنا يفقد الفرد جزءا من علاقته الصادقة مع نفسه لأنه اعتاد أن يكون كما يُنتظر منه أكثر مما يكون كما يشعر.
ويظهر الإنهاك لدى من يُوصَفون بالأقوياء كنتيجة طبيعية لمسار طويل من الكتمان والانضباط العاطفي المفرط. فالقوة التي تُقصي التعب تُراكمه، والصلابة التي تُغلق منافذ التعبير تُحوّل الداخل إلى مساحة مثقلة بالصمت. وربما يكون الوعي بهذه المفارقة خطوة أولى نحو قوة أكثر إنسانية تسمح للتماسك أن يتجاور مع الإصغاء، وللتحمّل أن يتوازن مع العناية بالذات.
قم بكتابة اول تعليق