متلازمة التفكير الكارثي: عقول تبني الخوف قبل أن تبني الحلول

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

كثيرا ما يبدأ الأمر بفكرة عابرة، سؤال داخلي بسيط أو شعور غامض بعدم الارتياح. غير أن بعض العقول لا تترك هذه الفكرة تمر بسلام بل تمسك بها، تكبّرها وتعيد تشكيلها حتى تتحول إلى سيناريو مكتمل التفاصيل، مشبع بالخسارة والانهيار والتوقعات السوداء. هنا لا يعود الخوف استجابة طبيعية بل يصبح أسلوب تفكير، ونمط قراءة للواقع يُعرف في علم النفس بالتفكير الكارثي.

هذا النمط الذهني يقوم على القفز السريع من المعطى المحدود إلى أسوأ النتائج الممكنة دون المرور بمساحات التحليل الهادئ أو الاحتمالات المتدرجة. العقل لا يسأل ماذا يمكن أن يحدث؟ بل يجزم أنه سيحدث الأسوأ حتما. وقد أشار عالم النفس آرون بيك وهو أحد رواد العلاج المعرفي بأن “الأفكار التلقائية السلبية هي العدسة التي يُعاد من خلالها تفسير العالم بشكل مشوّه”، حيث تُقرأ الوقائع لا كما هي، بل كما يُمليها الخوف الكامن في الداخل.

فالتفكير الكارثي لا ينشأ من فراغ، بل غالبا ما يتغذى على تاريخ نفسي مثقل بالتجارب المؤلمة، أو على تنشئة جعلت القلق قرين الحذر، والخوف مرادفا للسلامة. فالعقل الذي اختبر الفقد أو الخذلان أو عدم الاستقرار يتعلم بمرور الوقت أن يتوقع الضربة قبل أن تأتي معتقدا أن الاستعداد للأسوأ يخفف من قسوته، غير أن هذا “الاستعداد” يتحول كما يوضح فيكتور فرانكل إلى سجن داخلي حين “يعيش الإنسان الألم قبل أوانه فيفقد القدرة على عيش الحاضر”.

فمن الناحية النفسية يُعد التفكير الكارثي أحد أبرز التشوهات المعرفية المرتبطة باضطرابات القلق، حيث يتم تضخيم الخطر، وتجاهل المعطيات المطمئنة، والتركيز الانتقائي على كل ما يؤكد المخاوف. وقد أشار ألبرت أليس مؤسس العلاج العقلاني الانفعالي إلى أن: “الإنسان لا يضطرب بسبب الأحداث بل بسبب تفسيره غير العقلاني لها”، وهو ما ينطبق بدقة على هذا النمط من التفكير الذي يحوّل الاحتمال إلى يقين، والقلق إلى حقيقة معاشة.

أما اجتماعيا فيجد التفكير الكارثي بيئة خصبة في مجتمعات يسودها الغموض وضعف التواصل، وتتضخم فيها الأخبار المثيرة للقلق. فالتعرض المستمر لخطابات التهويل، والأخبار غير المؤطرة، يجعل العقل القَلِق أكثر استعدادا لتصديق السيناريوهات السوداء. وقد نبّه زيغموند باومان في حديثه عن “الحداثة السائلة” بأن غياب اليقين يدفع الأفراد إلى البحث عن تفسيرات جاهزة حتى وإن كانت مخيفة لأنها تمنح شعورا زائفا بالفهم والسيطرة.

في حين أن خطورة التفكير الكارثي لا تتجلى فقط في الأفكار، بل في أثره العميق على السلوك وجودة الحياة. فالشخص الذي يعيش تحت وطأة التوقعات السلبية يفقد القدرة على المبادرة، ويتردد في اتخاذ القرار، ويستنزف طاقته في القلق بدل الفعل. ويؤكد كارل يونغ أن “ما نقاومه يستمر وما نواجهه يتحول”، غير أن التفكير الكارثي يجعل المواجهة مستحيلة لأنه يُقنع صاحبه بأن الهزيمة واقعة لا محالة.

ومع ذلك لا يمكن التعامل مع هذا النمط الذهني باعتباره ضعفا شخصيا أو خللا أخلاقيا. إنه في جوهره محاولة غير واعية لحماية الذات لكنها حماية تقوم على الخوف بدل الثقة. فالانتقال من عقل يبني الكوارث إلى عقل يبني الحلول يتطلب وعيا تدريجيا وإعادة تدريب للفكر على التمييز بين الواقع والتوقع، وبين ما يُخشى وما هو كائن فعليا. ويقول ويليام جيمس: “أعظم اكتشاف لجيلنا هو أن الإنسان قادر على تغيير حياته بتغيير طريقة تفكيره”.

إن تفكيك التفكير الكارثي لا يعني إنكار المخاطر أو تبسيط الواقع، بل يعني استعادة التوازن بين الحذر والطمأنينة، وبين الاستعداد والهلع. فالعقل الذي يتعلم التوقف وطرح الأسئلة الصحيحة وإعطاء الوقائع حجمها الحقيقي، يكتشف أن كثيرا مما كان يخشاه لم يكن سوى قصة كتبها الخوف قبل أن يكتبها الواقع.

وتبقى متلازمة التفكير الكارثي مرآة لقلق إنساني حين يُترك دون وعي أو احتواء. وبين عقل يستهلك طاقته في بناء المخاوف، وعقل يوظفها في بناء الحلول، هو فرق جوهري تصنعه القدرة على الفهم والحوار الداخلي الصادق والإيمان بأن المستقبل مهما حمل من غموض لا يُدار بالخوف وحده بل بالعقل والمرونة والثقة في إمكانية تجاوز ما لم يحدث بعد.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد