موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
ليس كل عطاء فضيلة، وليس كل كرم علامة صحة نفسية. ففي بعض التجارب الإنسانية يتحوّل العطاء من فعل حرّ إلى استراتيجية بقاء، ومن تعبير عن الامتلاء إلى محاولة غير واعية لتأمين القرب وضمان الاستمرار، وشراء الحب بثمنٍ باهظ، بالجهد والإنهاك وتآكل الذات.
فمتلازمة العطاء المفرط لا تُرى بسهولة، لأنها تتخفّى في هيئة طيبة، وتُسوَّق اجتماعيا بوصفها نُبلا. غير أنها من منظور نفسي–فلسفي تمثّل اختلالا عميقا في العلاقة بين الذات وقيمتها وبين الحب ومعناه.
الجذور النفسية: حين يُربط الحب بالاستحقاق.
في العمق غالبا ما تعود هذه المتلازمة إلى خبرات مبكرة تعلّم فيها الإنسان أن الحب ليس حقا إنسانيا بل مكافأة مشروطة. أن يُرى حين يُرضي، ويُقبل حين يُطيع، ويُحتفى به حين يُقدّم. فينشأ وهو يحمل اعتقادا صامتا: أنا محبوب بقدر ما أبذل.
هذا الاعتقاد لا يختفي مع النضج، بل ينتقل إلى العلاقات الراشدة حيث يتحوّل الجهد إلى لغة الحب الوحيدة الممكنة. هنا لا يثق الفرد في حضوره المجرد بل في تعبه فقط. لا يشعر بالأمان إلا وهو يُعطي ولا يطمئن إلا وهو مُنهك.
ويُلمّح إريك فروم إلى هذا الخلل حين يفرّق بين الحب بوصفه فعل كينونة، والحب بوصفه تبادل منفعة. ففي الحالة الأولى يُمنَح الحب لأن الذات حاضرة، وفي الثانية يُقدَّم لأن الذات خائفة.
العطاء كآلية دفاع لا كاختيار.
من الناحية النفسية يصبح العطاء المفرط آلية دفاع أمام قلق الهجر، أو الخوف من الاستبدال، أو الرعب من الفراغ العاطفي. فيمنح الفرد أكثر مما يُطلب وأكثر مما يحتمل ظنا منه أن الفائض يحميه، وأن التضحية تؤجّل الخسارة.
غير أن هذا النمط لا يحمي العلاقة بل يُضعفها، لأن العطاء حين لا يكون خيارا يتحوّل إلى ضغط صامت، وإلى دين غير مُعلَن ينتظر المقابل. وحين لا يأتي هذا المقابل يتفجّر الإحباط، لا في صورة مطالبة بل في صورة إنهاك أو انسحاب أو شعور مرير بعدم التقدير.
حين تختفي الذات خلف الدور.
في العلاقات التي يحكمها هذا النمط، لا يعود الفرد يُرى كذات كاملة بل كوظيفة عاطفية، هو الداعم دائما، المتفهم بلا شروط، المتاح على حساب نفسه. ومع الوقت تُمحى الحدود، ويختلط العطاء بالواجب، والحب بالالتزام القسري.
يشير علم النفس العلاقي إلى أن الإفراط في العطاء يمنع نشوء تبادل صحي لأن العلاقة لا تقوم على الاحتياج المتبادل، بل على اختلال في الأدوار: طرف يُعطي ليثبت وجوده، وطرف يأخذ لأنه اعتاد.
وهنا تقع المفارقة المؤلمة: كلما أعطى الفرد أكثر، قلّ شعوره بأنه مرئي. لأن الآخر لم يتعلّم أن يراه بل أن يعتمد عليه.
العطاء والحرمان: إعادة تمثيل الألم.
كثيرا ما يمنح المصاب بهذه المتلازمة ما كان يحتاجه يوما ولم يحصل عليه: الاهتمام، الاحتواء، الصبر، الحضور. وكأن العطاء محاولة متأخرة لشفاء جرح قديم عبر الآخرين. غير أن ما لا يُعالَج في الداخل يُعاد تمثيله في الخارج.
يقول كارل يونغ إن ما لا نعيه يتحوّل إلى قدر. وهنا يصبح العطاء المفرط قدرا نفسيا يتكرّر في كل علاقة، لأن الجرح لم يُسمَّ بعد ولم يُعترف به.
الإنهاك الوجودي: حين يصبح الحب عبئا.
مع الزمن لا ينهار الجسد فقط، بل تتآكل المعاني. يتحوّل الحب إلى واجب، والعلاقة إلى عبء، والعطاء إلى عبودية ناعمة. يشعر الفرد أنه لا يستطيع التوقّف، لأن التوقّف يعني مواجهة سؤال مخيف: هل سأُحَبّ إن لم أُتعب نفسي؟
يشير فيكتور فرانكل إلى أن الإنسان يفقد ذاته حين يجعل قيمته مرهونة برضا الآخرين لأن المعنى لا يُبنى على محو الذات، بل على حضورها. والعطاء الذي يُقصي صاحبه لا يصنع حبًا بل يؤجّل الانفصال الداخلي.
الثقافة وتمجيد الاستنزاف.
تُسهم الثقافة المعاصرة في ترسيخ هذه المتلازمة حين تُقدّس التضحية، وتُصوّر الحب اختبار تحمّل، وتربط الوفاء بالألم. في هذا السياق يبدو وضع الحدود أنانية، ويُساء فهم التوازن بوصفه فتورا، بينما يُكافأ الاستنزاف اجتماعيا.
غير أن العلاقات الصحية لا تُبنى على الإنكار المستمر للذات، بل على الاعتراف المتبادل بها.
التحرر: استعادة الحق في الوجود دون مقابل.
التحرر من متلازمة العطاء المفرط لا يعني الانغلاق، بل استعادة الحق في الوجود دون مقابل. أن يعطي الإنسان لأنه يريد لا لأنه يخشى. أن يسمح لنفسه بالتلقي دون شعور بالذنب. أن يضع حدودا لا ليعاقب الآخرين بل ليحمي ذاته.
وحين يعود العطاء إلى كونه اختيارا لا وسيلة نجاة، يستعيد معناه الإنساني ويكفّ عن كونه استجداء مقنّعا.
ما لا يُشترى لا يُرهَن.
في النهاية الحب الذي يحتاج إلى إثبات دائم ليس حبًا، والعطاء الذي يُقدَّم خوفا من الفقد ليس كرما بل قلقا متخفّيًا. فالحب لا يُشترى بالجهد، ولا يُحافَظ عليه بالإرهاق، ولا يُؤمَّن بالتضحية المستمرة.
العطاء الحقيقي هو ذاك الذي لا يطلب البقاء ثمنا، ولا يجعل التعب شرطا، ولا يُقصي الذات كي يُرضي الآخر.
هو العطاء الذي يصدر عن الامتلاء… لا عن الخوف.
قم بكتابة اول تعليق