موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في مسار الإنسان كثيرا ما تُصاغ هويته لا بما يملكه فعليا من قدرات، بل بما يتوقعه منه الآخرون. هذه الظاهرة التي اصطلح عليها علم النفس الاجتماعي باسم تأثير غولين، تبرز كإحدى الآليات الخفية التي تحدد مآلات الأفراد والجماعات، حيث تتحول التوقعات الاجتماعية والنفسية إلى قوى فاعلة تُعيد صياغة السلوك والنتائج.
من الحكاية إلى المفهوم
يرتبط المفهوم بأسطورة النحّات الإغريقي بيغماليون الذي أحب تمثاله حتى منحته الآلهة الحياة. أما في العلم فقد تحولت الأسطورة إلى مصطلح يصف كيف يمكن لتوقعات الآخرين أن تبعث فينا إمكانات كانت كامنة. أبحاث روزنتال وجاكوبسون في ستينيات القرن الماضي أكدت أن مجرد إيمان المعلم بقدرات تلميذ ما قد يؤدي إلى تحسن أدائه فعليا وكأن العقل البشري يستجيب لانتظارات الآخر قبل أن يعيها بشكل منطقي.
البعد النفسي: التوقعات كمرآة للذات
علم النفس يفسر الظاهرة من خلال بناء صورة الذات. فالإنسان بوصفه كائنا اجتماعيا يتشكل وعيه الذاتي عبر مرآة الآخر. فالنظرة الإيجابية قد تزرع الثقة، بينما النظرة السلبية قد تنسج عجزا داخليا. يقال: “ما يراه فيك الآخرون قد يتحول إلى ما تراه أنت في نفسك”.
هنا يظهر تأثير غولين باعتباره آلية نفسية دقيقة، حيث يعمل اللاوعي على استيعاب التوقعات المحيطة وإعادة إنتاجها كسلوك. فالفرد لا يعيش فقط وفق ما هو عليه، بل وفق ما يعتقد أنه “مطلوب أن يكون”.
البعد الاجتماعي: حين تتحول التوقعات إلى بنى خفية
السوسيولوجيا تنظر إلى تأثير غولين باعتباره صورة من صور إعادة إنتاج البنية الاجتماعية.فالمجتمع عبر مؤسساته (الأسرة، المدرسة، العمل) يرسل باستمرار رسائل حول ما يجب أن يكونه الفرد. هذه الرسائل لا تظل في حدود الخطاب، بل تتحول إلى أطر موجهة للسلوك.
فعندما تُعطى التوقعات العالية لفرد أو جماعة تُفتح أمامهم إمكانيات الارتقاء، بينما تُغلق أمام من يُنظر إليهم كأقل كفاءة. هنا تتجلى خطورة الظاهرة، إذ يمكن أن تتحول إلى أداة للتفاوت الاجتماعي المستتر حيث يُعاد إنتاج الامتياز أو الحرمان عبر مسارات تبدو طبيعية.
ازدواجية التأثير: بين التحفيز والقيود
قوة تأثير غولين تكمن في طبيعته المزدوجة:
* الوجه الإيجابي: حين تُبنى التوقعات على الثقة، فإنها تصبح محركا للتحفيز تنقل الفرد من حدود الممكن إلى فضاء الإنجاز.
* الوجه السلبي: حين تكون التوقعات محدودة أو سلبية، فإنها قد تتحول إلى قيود نفسية خفية تسجن الفرد داخل صورة مسبقة لا يستطيع كسرها.
هذا ما يعبر عنه علماء النفس الاجتماعي بقولهم: “النبوءة لا تتنبأ فحسب، بل تساهم في صناعة ما تنبأت به.”
قراءة سوسيونفسية
المقاربة السوسيونفسية تكشف أن تأثير غولين ليس مجرد تفاعل فردي، بل هو شبكة معقدة بين النفسي والاجتماعي:
* على المستوى النفسي يولّد التوقع إحساسا بالقدرة أو العجز.
* على المستوى الاجتماعي يتحول هذا الإحساس إلى سلوك معزز عبر التفاعل المستمر مع الآخر.
* على المستوى البنيوي يصبح التأثير آلية لإعادة إنتاج قيم وثقافة المجتمع ذاته.
وبذلك لا يكون تأثير غولين مجرد تجربة تربوية معزولة، بل مدخلا لفهم كيف تصنع المجتمعات مسارات النجاح والفشل داخلها.
التوقعات كقوة بنائية للمجتمع
إدراكنا لقوة التوقعات يدفع إلى إعادة النظر في أدوار الأسرة، المؤسسة التعليمية والمؤسسة المهنية. فالمجتمع الذي يبني ثقافته على التشكيك والتقليل من قيمة أفراده، يسهم دون وعي في إنتاج عجز جماعي. بينما المجتمع الذي يرفع سقف الثقة في مواطنيه يفتح أمامهم أبوابا لتجسيد إمكاناتهم الكامنة.
جاء في إحدى العبارات الشهيرة: “إذا عاملت إنسانا على أنه كما هو، فإنه سيبقى كما هو. أما إذا عاملته على أنه قادر أن يكون أفضل، فإنه سيصبح كذلك.”
نحو وعي جديد
الوعي بتأثير غولين يدعونا إلى مراجعة خطاباتنا اليومية: كيف نخاطب أبناءنا، كيف نتحدث إلى طلابنا، كيف ننظر إلى زملائنا وكيف نتعامل مع الفئات الاجتماعية المختلفة. فكل كلمة وكل توقع هو في النهاية بذرة يمكن أن تنمو لتصبح واقعا ملموسا.
الدرس الأهم أن التوقعات ليست حيادية، إنها قوى خفية قادرة على صناعة مستقبل الفرد والجماعة. ومن هنا تصبح مسؤولية المجتمع أن يحول هذه القوة إلى رافعة للتحفيز، لا إلى قيد يعيد إنتاج الفشل.
قم بكتابة اول تعليق