اضطرابات النوم النفسية: حين يتحول الليل إلى ساحة قلق

موند بريس / دة. سعاد السبع

الليل عند كثيرين هو ملاذ وملجأ، لكنه لدى آخرين يتحول إلى ساحة قتال صامتة يقاتل فيها العقل القلق رغبة الجسم في الراحة. وكما يقول أحد الباحثين: «الأرق ليس مجرد فقدان للنوم، بل حالة زيادة يقظة تمتزج فيها الجسدية بالفكر»، ما يجعل لحظات ما قبل النوم أقرب إلى ميدان معركة داخلية لا يراها أحد.

حين يظل العقل مستيقظا والجسد منهكا

تُظهر الدراسات أن حوالي 10% من البالغين يعانون من اضطراب الأرق المزمن، ونحو 20% يختبرون أرقا متقطعا. هذا الانتشار الواسع يعكس أن الأمر ليس عرضا هامشيا، بل حالة قد ترتبط باضطرابات القلق والاكتئاب والصدمة النفسية. وفي وصف دقيق لهذه المعاناة كتب أحد المصابين: «أحيانا أستسلم، لكن ليس للنوم، لاستدارة الأفكار التي لا تتركني. أفتح عينيّ فلا أجد ذاكرة للراحة».

لماذا يتحول الليل إلى «ساحة قلق»؟

النموذج العلمي الأكثر شيوعا يفسر ذلك بظاهرة زيادة اليقظة (Hyperarousal)، حيث يكون الجهاز العصبي في حالة تأهب مفرط تمنع الدخول في النوم أو المحافظة عليه. هذا التوتر المستمر قد يتغذى على أفكار وسيناريوهات ذهنية لا تنتهي. كما تقول مقولة شهيرة: «الليل ليس عدوّا لكنه آتٍ أحيانا ليذكرنا بما لم نجرؤ على قوله في ضوء النهار».

الأرق سبب ونتيجة في آن واحد

الأبحاث تشير إلى أن الأرق لا ينتج فقط عن الاضطرابات النفسية، بل قد يكون عامل خطر مستقل لتطورها خصوصا الاكتئاب. فالشخص الذي يعيش ليالي بلا نوم يعيش نهارات مثقلة بالإنهاك العقلي، ما يجعل المزاج هشًا والانفعال أسرع ويدخل في حلقة مفرغة من السهر والقلق.

العلاج: إعادة الليل إلى وظيفته الأولى

أحدث الإرشادات السريرية توصي بـالعلاج السلوكي المعرفي للأرق (CBT-I) كخيار أول لما يقدمه من إعادة تدريب للعقل والجسد على استقبال النوم. هذه التقنية لا تقتصر على نصائح سطحية، بل تشمل «التحكم بالمثيرات» وتعديل المعتقدات السلبية عن النوم، إضافة إلى تحسين «نظافة النوم» اليومية. وفي حالة الكوابيس الناتجة عن الصدمات أثبتت تقنية إعادة تصوير الحلم (IRT) فعاليتها في تقليل شدتها وتكرارها، إذ تعيد للمريض سلطة إعادة صياغة مشاهد الحلم المزعجة.

دعوة إلى الإصغاء والإنصاف

التعامل مع اضطرابات النوم النفسية لا ينبغي أن يُختزل في وصف منوّم، بل في فهم عميق لمعاناة المريض ومعالجتها جذريا. فالليل ليس مجرد وقت للراحة، بل مساحة لاستعادة التوازن النفسي. وإن استطعنا أن نعيد له هدوءه نكون قد منحنا المريض نصف عافيته.

 

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد