موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
حين يصبح الألم النفسي تهمة، ويغدو طلب العلاج ضعفا في ميزان مجتمع مهووس بالصورة في مجتمعاتٍ تُخيط قوالبها على مقاسات التماهي مع “الطبيعي”، يصبح كل ما يخرج عن هذا القالب مدعاة للتشكيك والخوف. من هنا ينبثق الوصم النفسي، لا كمجرد نظرة دونية، بل كمؤسسة رمزية تكرّس الصمت، وتمنع البوح، وتضع جدرانا سميكة بين الفرد وحقه في الشفاء.
يُصاب الإنسان بالحمّى، فيسرع إلى الطبيب دون وجل. يشتكي ألما في المفاصل، فيتناول الدواء بلا خوف. لكنه إذا ما اختنق من الداخل، أو صارت أفكاره عبئا، ومشاعره متكسرة، أحجم عن طلب المساعدة، كأن العطب النفسي فضيحة يجب سترها، لا وجعا يجب علاجه.
الوصم كأداة رقابية.
الوصمة ليست مجرد رأي شخصي حول “المريض النفسي”، بل أداة رقابية تمارسها المجتمعات لضبط المختلف والمضطرب والضعيف والهش، تُفعّلها المنظومة الثقافية بكل أدواتها: الإعلام، المدرسة، الأسرة، وحتى الخطاب الديني أحيانا. وقد أشار عالم الاجتماع إرفينغ غوفمان إلى أن الوصمة هي “صفة تُلصق بالفرد فتخفض مكانته الاجتماعية، وتحيله إلى شخص ناقص في نظر الآخرين”.
إن مريض الاكتئاب لا يخاف فقط من حزنه، بل من نظرة المجتمع إلى هذا الحزن. يعاني القلق، فيتضاعف قلقه من كشف قلقه. إنها حلقة مفرغة تُراكم الألم فوق الألم، وتحاصر الإنسان في صمته.
الثقافة السائدة والخوف من الاعتراف.
في المجتمعات العربية، غالبا ما يُربط الحديث عن الاضطرابات النفسية بالجنون أو الضعف أو قلة الإيمان، وهو ما يجعل طلب المساعدة من مختص نفسي يُنظر إليه كخيانة للفضائل، لا كمسار نحو التعافي. يقول الطبيب النفسي د. طارق الحبيب: “نحن لا نعيب على من يذهب إلى طبيب القلب، فلماذا نعيب على من يقصد طبيب النفس؟ إن النفس جزء من الجسد، وشفاؤها أولى من سترها تحت ركام الخجل.”
وبفعل هذا الخوف المتوارث، يميل الكثيرون إلى “التخفي” خلف أقنعة التوازن، يُمارسون الإنكار، أو يلجؤون إلى “علاجات بديلة” لا تنبع من فهم علمي، بل من تراث مشحون بالخرافة، مما يؤدي أحيانا إلى تفاقم الحالة وتأخر العلاج.
المرأة والوصم المضاعف.
لعل المرأة العربية تواجه وجها مزدوجا من هذا الوصم: فهي إن طلبت الدعم النفسي، قيل إنها “هستيرية” أو “ناقصة عقل”، وإن التزمت الصمت، أصبحت سجينة آلامها الداخلية. المرأة – بحسب أدوارها التقليدية – مطالبة بأن تكون قوية، صامدة، “أماً وزوجة ومربية”، لا يحق لها أن تتعب أو تنهار، مما يضاعف عبء الاضطراب عليها ويحول بين احتياجاتها والدعم الحقيقي.
نحو تطبيع الصحة النفسية.
تُعد الصحة النفسية جزءا لا يتجزأ من الصحة العامة، وفق تعريف منظمة الصحة العالمية. وهي لا تعني فقط غياب المرض، بل “حالة من الرفاهية النفسية التي يستطيع فيها الفرد تحقيق إمكاناته والتكيف مع ضغوط الحياة”.
تطبيع زيارة الأخصائي النفسي، والانفتاح على الحكي والتفريغ، وتمكين الناس من فهم ذواتهم، هي خطوات أساسية نحو مجتمع صحي داخليا. ولعل التوعية، والاعتراف العام من شخصيات عامة بمساراتهم العلاجية، تساهم في تفكيك الصورة النمطية. كما أن دمج الدعم النفسي في المؤسسات التعليمية والمهنية يُعد ضرورة لا ترفا.
خاتمة: عندما يصبح الاعتراف شجاعة.
في زمن تتعاظم فيه الضغوط وتتشظى فيه الهويات، لم يعد ممكنا تجاهل الألم النفسي أو التعامل معه كترف. الاعتراف بالضعف ليس عيبا، بل شجاعة. وطلب المساعدة ليس هزيمة، بل انتصار على الصمت. وكما نعالج أجسادنا بلا خجل، يحق لنا أن نداوي جراحنا النفسية بنفس اليقين.
فـ”الأرواح تتعب أيضا وتحتاج إلى من يصغي لا إلى من يَدين.”.
قم بكتابة اول تعليق