هل نحن صُنّاع قراراتنا أم أسرى لاوعينا؟

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

هل نمسك زمام قراراتنا بإرادة حرّة واعية؟ أم أننا نُسيّر في الخفاء بقوى دفينة لا نشعر بها؟ سؤال قديم جديد، يستوقفنا كلما هممنا باختيار ما، وكلما اعتقدنا أننا “نقرر”، بينما الحقيقة قد تكون أعمق مما نتصور.

في لحظة اتخاذ القرار، نميل إلى الاعتقاد بأننا نُعمل عقولنا، نزن الأمور، ونختار الأفضل وفقا للمنطق والوعي. لكن علم النفس الحديث يكشف لنا أن ما نحسبه قرارا واعيا، ما هو في كثير من الأحيان إلا تتويج لسلسلة من الدوافع الخفية، الإشارات اللاواعية والتجارب الماضية التي تُملي علينا اختياراتنا دون أن ندرك.

 

اللاوعي… السيد الخفي
يشير عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد إلى أن: “اللاوعي هو المستودع الحقيقي لرغباتنا المكبوتة وتجاربنا المنسية، وهو المحرك الفعلي لكثير من سلوكياتنا.”
فقراراتنا كما يرى ليست دائما منطقية أو عقلانية، بل كثيرا ما تُبنى على صراعات دفينة في أغوار النفس.

وفي تجربة شهيرة أجراها بنيامين ليبيت وهو عالم أعصاب، تم قياس النشاط الدماغي لدى مشاركين قبل اتخاذ قرارات بسيطة، وتبين أن الدماغ يبدأ في الاستعداد لاتخاذ القرار نحو نصف ثانية قبل أن يشعر الشخص نفسه بأنه اتخذ القرار.
هذا الاكتشاف أثار جدلا واسعا حول ما إذا كانت “حرية الإرادة” وهما عصيا على التحقق.

 

بين الوعي والإكراه النفسي
نحن نعيش في تماس دائم بين الوعي واللاوعي، بين إدراك منطقي مباشر وبين بُنى عاطفية خفية تشكل رؤيتنا للعالم. فكثير من قراراتنا ترتبط بتجارب الطفولة، تراكمات التربية، مواقف الخوف أو الحب أو الحرمان.
فالموظف الذي يختار العزلة في العمل قد لا يكون “قرر” ذلك، بل دفعه خوف قديم من الرفض أو الخيبة. والمرأة التي تكرر الارتباط بشخصية مؤذية، قد تكون أسيرة نمط لاواعي من التعلق القديم.

يقول عالم النفس الأمريكي جون بارغ:
“العديد من قراراتنا اليومية تُتخذ بشكل أوتوماتيكي دون وعي حقيقي. نحن نعتقد أننا نُفكر، لكننا غالبا ما نُعيد إنتاج سلوكيات مبرمجة.”

 

هل يمكن التحرر من أسر اللاوعي؟
لا يعني هذا أننا عاجزون بالكامل. بل يمكن للوعي النفسي والمراجعة الذاتية والعلاج السلوكي المعرفي أن تكشف الكثير من أنماطنا اللاواعية، وتُعيد لنا زمام المبادرة.
حين نبدأ بطرح السؤال: “لماذا فعلت ذلك؟” و”ما الذي حفّزني فعلًا؟”، نبدأ أولى خطوات التحرر.

التحليل النفسي، وتقنيات مثل اليقظة الذهنية (Mindfulness)، تُساعد الإنسان على مراقبة دوافعه وتوسيع مساحات وعيه ليصبح القرار أكثر تحررا وأقرب إلى الذات الحقيقية لا الذات المشروطة.

 

في الختام
نحن نقرر لكننا لا نبدأ من الصفر. نحن نقرر من داخل شبكة من الخبرات والذكريات والمشاعر التي تشكل لاوعينا. الوعي لا يُلغي اللاوعي، لكنه يُنير طريقه.
إنّ إدراكنا لحدود إرادتنا لا يعني الاستسلام، بل هو دعوة لفهم أعمق للذات، ولمصالحة بين ما نعيه وما نخفيه عن أنفسنا. فـ”معرفة النفس” كما قال سقراط “هي بداية كل حكمة”.

 

 

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد