موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في زمن باتت الصورة أبلغ من الحقيقة، والمظهر أقوى من الجوهر، تتغلغل ظاهرة تقديس المظاهر في تفاصيل الحياة اليومية، متخذة من الواجهة الاجتماعية مرآة لقيمة الإنسان. ومعها يتمادى هوس المقارنة ليصير جرحا نفسيا غائرا لا تندمل آثاره بسهولة، يُنهك الذات ويشوّه مفاهيم النجاح والرضا.
حين تصبح القيمة في ما يُرى لا ما يُخفيه القلب والعقل.
لم يعد يكفي أن تكون صادقا، مثابرا، كريم الخلق أو عميق الفكر… بل أصبحت الحياة معرّفة بمعايير سطحية: ماذا ترتدي؟ أين تسافر؟ ماذا تملك؟ كم عدد متابعيك؟ يُختصر الإنسان في صورة على “إنستغرام” أو لحظة مُعدّة للعرض لا للعيش.
هذا التقديس للمظاهر ليس وليد الحداثة فقط، بل هو تضخّم طبيعي لاحتياجات نفسية كامنة: الحاجة إلى التقدير، الانتماء والاعتراف. لكنه حين يُفرغ من مضمونه القيمي ويتحوّل إلى عبادة صامتة للصورة، يتحوّل من حاجة إنسانية إلى مرض اجتماعي.
المقارنة: داء العصر أم صرخة نفس عطشى؟
علم النفس الاجتماعي يُبرز أن المقارنة أمر طبيعي في سياق النمو والتعلم، لكنّها تصبح سامة حين تُستعمل كوسيلة دائمة لتقييم الذات وفق معايير خارجة عنها. وهنا، تتولد المشاعر القاتلة: الإحباط، الشعور بالنقص، الحسد وحتى الاكتئاب.
الطفل الذي يقارن والديه بينه وبين زميله “الأذكى” أو “الأكثر تهذيبًا”، هو نفس الإنسان البالغ الذي يقارن بين “حياته الرمادية” وصور الآخرين على الشاشات. إنه صوت داخلي جُرّب منذ الطفولة على أن لا يرى نفسه إلا من خلال عيون الآخرين.
أين يكمن الخلل؟ في الفرد أم في البنية الاجتماعية؟
من منظور سوسيولوجي، لا يمكن فصل هوس المقارنة وتقديس المظاهر عن طبيعة المجتمعات الاستهلاكية التي تُغذّي النرجسية الجماعية وتربط الكينونة بالامتلاك. فالمجتمع بتعقيداته يُرسّخ قيم “التميز الخارجي”، ويُهمل الجوهر الإنساني الأصيل. والفرد الذي لا يجد التقدير في عمقه يبحث عنه في شكله.
أما التربية والتعليم، فغالبا ما تُعزز هذه النزعة، عبر نموذج التلميذ المثالي، والنجاح النمطي، والمقارنة بين الأقران بدل تشجيع التميز الفردي وتقدير الاختلاف.
نحو تحرّر داخلي… يبدأ بالوعي
التحرر من هذه الظاهرة يبدأ بثورة داخلية ضد ثقافة المقارنة، وبتنمية القدرة على التقدير الذاتي القائم على الإنجاز الحقيقي والقيم الجوهرية. نحن بحاجة إلى إعادة تعريف النجاح والسعادة خارج إملاءات المجتمع وأرقام المنصات الرقمية.
كما أنّ على المؤسسات التربوية والإعلامية أن تقوم بدورها في زرع الوعي النقدي والجمالي الحقيقي، لا التلقين السطحي. فالصورة التي لا تنبع من صدق الداخل لا تصمد أمام اختبارات الحياة.
في الختام
ليست المظاهر شرّا مطلقا، لكنها تتحوّل إلى عبء حين تصبح معيارا للحكم على الإنسان، والمقارنة ليست عيبا فطريا، لكنها تصير تدميرية حين تحجب الإنسان عن ذاته. بين السطح والزيف والعمق والصدق تبقى المعركة قائمة، وللفرد وحده أن يقرر: أيّ كفّة يختار؟
قم بكتابة اول تعليق