موند بريس : رضى الرساوي باحث في العلوم السياسية
إن مثالية الخطاب السياسي تصطدم بواقعية النص التشريعي ، الذي هو نتاج لتدافع سياسي داخل قبة البرلمان ، مغيبا عنه أي تقارير ترصد كواليسه أو أعماله و موازينه في تغليب كفة مصلحة حزبية دون أخرى ، رافعا بذلك عنه صفة البراءة . مما قد ينتج عنه في بعض الأحيان مشاريع قوانين أو حتى قوانين قد تمس بالحقوق والحريات من دون إخضاعها لرقابة دستورية إجبارية ، بحكم أنها تدخل في خانة القوانين العادية. لتبقى فرضية الرقابة الاختيارية في هذا المجال إمتداد للصراع السياسي و الملاذ الأخير للحسم في دستورية مشروع قانون ما ، و ذلك إلى حين صدور القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم الدستورية . و بالوقوف على نصوص الدساتير السابقة و المتعاقبة ، نجد أن القانون العادي هو أكثر القوانين لها علاقة بالحقوق و الحريات الأساسية. فمنذ دستور 1992 ومنذ إحداث المجلس الدستوري؛ و النخبة السياسية تعتبر الرقابة على دستورية القوانين العادية خطوة مهمة و فيصلية في بناء دولة القانون. هذه الرقابة التي تتصف بالطابع الاختياري. على خلاف القوانين التنظيمية و الأنظمة الداخلية التي تخضع لرقابة دستورية وجوبية. و دستور 2011 نص هو كذلك على إحداث المحكمة الدستورية ، مخولا إياها صلاحية الرقابة الدستورية الاختيارية على القوانين و السابقة على إصدار الأمر بتنفيذها ، بناءا على الإحالة المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من الفصل 132 منه . هذه الرقابة الوقائية التي تهدف الى تمحيص القوانين التي يشوبها عيب عدم الدستورية في مهدها ، وذلك للحيلولة دون إصدارها. فممارسة الدور الحمائي للقضاء الدستوري في مجال الحقوق و الحريات رهين بطعن مقدم من طرف أصحاب الحق في الإحالة ، مما يطرح إشكالية ما مدى فاعلية نظام الرقابة الاختيارية على القوانين العادية في حماية و ضمان الحقوق و الحريات.؟ وذلك من خلال رصد ما مدى انخراط الفاعل السياسي في هذا النظام الرقابي؟ و ما مدى استقلالية الفاعل الدستوري(القاضي الدستوري) في بسط رقابته على القوانين المحالة عليه؟
1- انخراط الفاعل السياسي في الفعل الرقابي.
من الواضح أن الحركة الدستورية المغربية أولت جانبا مهما للحقوق و الحريات، و حرصت على تضمين كل أجيال هذه الحقوق و التنصيص عليها في صلب الوثيقة الدستورية، مما يجسد في حد ذاته حماية وضمانة لها، غير أن تخويل القانون الصلاحية في تنظيمها و تقييد ممارستها قد ينطوي على تجاوزات و تعسفات من قبل المشرع. لأن الإشكال الحقيقي ليس في تحديد حق أو حرية بحد ذاتها و إنما يكمن في تحديد القيود الواردة عليها.
فرغم تضمين دستور 2011 في تصديره و بابه الثاني للحقوق و الحريات ذات أهمية بالغة، فإن أغلبها ترك للمشرع العادي تقنينها وتنظيمها. أحال المشرع الدستوري بمقتضى الفصل 71 على القانون التشريع في العديد من الميادين، و مجملها مرتبطة بشكل كبير بالحقوق والحريات الأساسية للمواطنات و المواطنين. حيث أن القانون مثلا، يختص بالتشريع في ميدان علاقات الشغل والضمان الاجتماعي وحوادث الشغل، و الأمراض المهنية، و يختص أيضا في التشريع في الحقوق و الحريات الأساسية المنصوص عليها في التصدير وفي فصول أخرى من دستور 2011. ونجد أيضا أنه يختص في التشريع فيما يخص النظام الضريبي ووعاء الضرائب ومقدارها وطرق تحصيلها. وهكذا يترك المجال واسعا للبرلمان و بطريقة غير مباشرة للحكومة لكي تحدد بنفسها مضمون هذه الحقوق ، في ظل غياب رقابة وجوبية و غياب توضيح لإرادة المشرع الدستوري و تأويله لهذه القوانين ، لكونها تدخل في إطار رقابة دستورية إختيارية مبنية على إحالة إحدى الأطراف المخول لها هذا الحق و المشار إليها في الفقرة الثانية من الفصل 132 من دستور 2011 .
و الجدير بالذكر أنه إلى حدود اليوم هناك نماذج من الحقوق و الحريات لم يطالها القضاء الدستوري ، سواء بالحماية أو التوضيح، مثلا الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين ، فبموجب الفصل 31 من دستور 2011 (يستفيد المواطنين على قدم المساواة من حق الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية السكن اللائق والتعليم…)، وكذلك وفقا للفصل 29 من الدستور فيما يخص ضمان حرية الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي وتأسيس الجمعيات والإنتماء النقابي والسياسي، فإنها تستدعي تدخل القاضي الدستوري لتوضيح كيفية أعمالها وتحديد القيود الواردة عليها ، و بالمقابل، هناك حقوق و حريات دستورية وازنة شكلت مواضيع عريضة و نقاشات مستفيضة عرفتها الساحة السياسية و الإجتماعية المغربية ولم تفضي بعد إلى رؤية واضحة رغم المجهودات التي تبذلها المؤسسات المهتمة ، منها مثلا، إشكالية عقوبة الإعدام و ما جاء به الفصل 20 من الدستور بالحق في الحياة. وما نص عليه الفصل الثالث من الدستور من حرية ممارسة الشؤون الدينية. كذا ما جاء به الفصل 24 من الحق في حماية الحياة الخاصة و إشكالية الإجهاض ، وما نص عليه الفصل 32 حقوق الطفل (إشكالية تشغيل الأطفال القاصرين) ، إلى غير ذلك من الحقوق والحريات التي ما زالت محل نقاش داخل المجتمع المغربي، مما يقتضي ضرورة تدخل القضاء الدستوري ليقول كلمته فيها حتى تتضح إرادة المشرع الدستوري.
فمن خلال ملامسة هذا الغياب للقضاء الدستوري في هذا المجال ، نجد أن عدم الفاعلية يعزى بدرجة أولى إلى ضعف اهتمام الفاعلين السياسيين بمجال الرقابة الدستورية على القوانين ، كأحد أهم الأطراف الدستورية التي لها حق الإحالة. بحيث أن البرلمان المغربي ما زال ينظر إلى القضاء الدستوري كمرحلة للمصادقة و إضفاء الشرعية على المشاريع ثم التوافق عليها ، وليس كآلية مؤسساتية لممارسة الإختلاف والصراع السياسي، حيث تشير الإحصائيات الرقمية إلى أنه خلال أكثر من عقدين من عمر اشتغال المجلس الدستوري بالمغرب ، لم يتم اللجوء إليه في نطاق الحالة الإختيارية للقوانين العادية سوى في 12 مناسبة، و نصيب القوانين التي لها علاقة بحقوق و حريات المواطنين ضمن هذه الإحالات نجده ضئيلا ، لاسيما من جهة المعارضة البرلمانية . ومن تم فإن المرحلة البرلمانية هي مرحلة شكلية لا ينظر إليها كحلبة للاختلاف ، قادرة على دفع المعارضة او الأقلية اللجوء إلى المحكمة الدستورية، فبدون إعتبار المحكمة الدستورية كأداة لممارسة مهام المعارضة ، ودون تكثيف إحالة القوانين العادية عليها. فلا يمكن لهذه الأخيرة ان تنتج أثرا في المجال الحقوقي.
2-الفاعل الدستوري الأساسي في الفعل الرقابي.
يؤثر القضاء الدستوري على موازين القوى بين مختلف الفاعلين السياسيين بالدخول في حرب التأويلات الدستورية و التأويلات المعارضة ، هذا التأثير المتأرجح بين دينامية وحركية الواقع السياسي والاجتماعي المغربي من جهة، و جمود النص الدستوري من جهة أخرى، والذي يعتبر المرجع الأساس للقاضي الدستوري في إنتاج قراراته التي تظل حبيسة القاعدة الدستورية، وتظل مطوقة و غير مطلقة و مستقلة. بل هي في قراءات أخرى تابعة في صميم قراراتها و أحكامها لفلسفة ضامن الدستور و حاميه و ضامن استمرار المؤسسات ، الذي يستمد مشروعيته من حقل خارج مجال المراقبة( إمارة المؤمنين) ، فالملك هو الفاعل الدستوري الأساسي الممارس لهذه الرقابة ، و الذي يعتبر فوق جميع المؤسسات بشكل يجعله لا يراقب مدى مطابقة الإنتاج القانوني للقواعد الدستورية فحسب ، بل يراقب مجموع أنماط اشتغال المؤسسات الدستورية الأخرى و مدى مطابقتها للفكرة الدستورية التي يتأسس عليها النظام السياسي. فالتشديد على أن الملك هو الحارس على إحترام الدستور وتطبيقه روحا و منطقا لا يتنافى في نظر البعض مع تفويض تلك السلطة الي المجلس الدستوري ، واعتبار الاختصاصات التي يمارسها مفوضة له من طرف الملك بصفته الحامي الأول للدستور، و بتالي فمنطق هذا التحليل يقودنا إلى القول أن المجلس الدستوري بهذه الصفة لا يمكنه مراقبة ما يصدره الملك من قوانين ، أضف إلى ذلك أن اختصاصاته المحددة في الدستور لا تسمح له بذلك ما دام ينظر في مدى دستورية القوانين التنظيمية و الداخلية للبرلمان و العادية. في حين أن ما يصدره الملك لا يدخل في أي مجال من هذه المجالات. وهو ما ذهبت إليه الغرفة الدستورية في إحدى سابقاتها (المقرر عدد235الصادر بتاريخ 27 فبراير1990) ، حيث أكدت أن حق العفو الذي يصدره الملك و الإجراءات المنفذة له لا تدخل في مجال القانون ولا مجال التنظيم. مما يجعل القاضي الدستوري ينحصر في مجال الحراسة دون الوصول إلى مجال خلق التوازن بين مختلف الفاعلين السياسيين ، و من خلاله يتحول وضع القاضي الدستوري إلى فاعل ثانوي يحد من سقف حمايته للحقوق و الحريات بشكل يجعل الغاية من وجوده إستشارية أو إفتائية أكتر منها قضائية، حيث تحكمه قيود دستورية في ظل نظام سياسي مغربي تكون المحكمة الدستورية فاعلا ثانويا في ضمان سمو القواعد الدستورية ، .كما أن تشكل هذه الأخيرة من قضاة معينين و قضاة منتخبين يؤثر بشكل أو بآخر على قرارات المحكمة الدستورية. من خلال تغليب الرأي السياسي و إرادة الأغلبية على الفعل التدخلي التقني للقاضي المنحصر في بسط الرقابة على النص التشريعي ، مما قد يتحول معه القاضي الدستوري لفاعل سياسي مخولا لنفسه أن يكون مشاركا في التشريع من خلال تأويلاته للقانون. و هكذا فقرارات المجلس الدستوري تؤثر و تتأثر بمعايير ومقاييس مختلفة تحدد مدى فاعلية او محدودية في مجال الحقوق و الحريات .
وهكذا فالقوانين العادية تعتبر حاضنة لمجموعة من الحقوق و الحريات اللصيقة بالمواطن و الممارسة بشكل يومي. و التي يجب حمايتها و ضمانها و تفعيل رقابة دستورية عليها تحسم الصراع السياسي. و تحول دون انفلات النص القانوني. ولا يتأتى ذلك إلا بفاعل سياسي يؤمن بضرورة اللجوء للمحكمة الدستورية كآلية مؤسساتية للممارسة الإختلاف والصراع السياسي. و بالمقابل ضمان استقلالية القاضي الدستوري و جعله الفاعل الدستوري الأساسي في إنتاج اجتهادات تكون مرجعا في بناء منظومة أساسية لحماية وضمان الحقوق والحريات.
قم بكتابة اول تعليق