موند بريس / بقلم : ذة. سعاد السبع
في عتمة العلاقات الإنسانية، حيث يتداخل الصفاء بالعكر، والصدق بالخداع، كثيرا ما تُصاب النفس بطعنات غير متوقعة، تأتي ممن وُهبوا ثقة القلب وودّه. فالخذلان والخيانة والإساءة الصامتة أو المعلنة ليست مجرد مواقف عابرة، بل هي زلازل نفسية، تهز أعماق الإنسان، وتُحدث فيه تآكلا داخليا، قد لا يُرى، لكنه يُحسّ بمرارة لا تنسى. من هذا المنطلق، يطرح علم النفس أسئلة عميقة حول كُنه التسامح: هل هو سلوك نابع من نضج وجداني ومرونة نفسية، أم عبء أخلاقي يُفرض على من لم تندمل جراحه بعد؟ وهل يُعدّ الامتناع عن الغفران أنانية أو نقصا في الرحمة، أم حقّا مشروعا لمن أُرهقت روحه بالتكرار المؤلم للخذلان؟
1. الخذلان والطعنات النفسية: الجرح الصامت
من منظور علم النفس التحليلي والسريري، تُعدّ الخبرات العاطفية السلبية ذات أثر بالغ في تشكيل البنية النفسية للفرد. فالخذلان، بخاصة عندما يصدر عن الأشخاص الأكثر قربا، يخلق شروخا في جهاز الدفاع النفسي، ويؤدي إلى تصدّعات في الهوية الانفعالية. وتشير دراسات التصوير العصبي إلى أن رفض الآخر، أو خيانة الثقة، ينشّطان المناطق الدماغية المسؤولة عن الألم الجسدي، مما يبرهن أن الجرح الوجداني يعادل في شدته الألم الفيزيولوجي.
كما تؤكد الدراسات في علم النفس العصبي الاجتماعي أن هذا النوع من الألم، رغم كونه غير مرئي، يترك بصماته على الجهاز العصبي الذاتي، فيؤثر على جودة النوم واستقرار المزاج وعلى الاستجابة الانفعالية، فضلا عن إمكانية تطوره إلى أعراض اكتئابية مزمنة أو نوبات هلع.
2. التآكل الداخلي: حين يُفتَك بالذات من الداخل
يُعرّف علماء النفس الإكلينيكيون التآكل النفسي على أنه تفكك تدريجي في تماسك الذات، يحدث نتيجة تراكم تجارب الخيانة والخذلان والإهانة. هذا التآكل لا يتجلى في لحظة بعينها، بل يتسلل بصمت، محدثا شرخا داخليا بين صورة الذات كما كانت، والذات كما غدت بعد الصدمة.
وفي هذا السياق، يشير “بيتر فوناغي” إلى أن الإحساس المتكرر بالخيانة يُضعف القدرة على التفكير العقلي (mentalization)، أي تلك المهارة التي تمكّن الفرد من فهم دوافعه ودوافع الآخرين، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام التأويلات السوداوية والعزلة النفسية.
3. التسامح: بين القيمة الإنسانية والضغوط الثقافية
لا يختلف اثنان حول سمو فضيلة التسامح، لكنه في الخطاب الجمعي كثيرا ما يُختزل إلى شعار أخلاقي، يُفرض على الفرد دون اعتبار لمدى جاهزيته النفسية. ووفقا للنموذج التكاملي للتسامح (Wade & Worthington, 2003)، فإن الغفران لا يتحقق إلا حين تتكامل خمسة أبعاد:
ـ الوعي بالضرر؛
ـ الاعتراف بالمشاعر؛
ـ التقدير الذاتي؛
ـ الإحاطة بالدعم؛
ثم اتخاذ القرار.
غير أن المجتمعات ذات المرجعيات الدينية، أو الجماعية، تميل إلى اعتبار التسامح واجبا أخلاقيا، ومؤشرا على السمو، دون أن تُراعي أن فرضه قبل أوانه قد يؤدي إلى احتباس عاطفي وانفجار داخلي لاحق. ويظهر هذا جليا في ما يُعرف بـ “التسامح القهري”، حيث يغفر الفرد ظاهريا، بينما يعاني في الخفاء من بقايا الجرح.
4. حرية عدم التسامح: بين الذات وحق الحماية النفسية
من منظور الصحة النفسية، ليس الامتناع عن التسامح دائما موقفا مرضيا، بل قد يكون تعبيرا عن توق إلى حماية الذات وحدودها. فبعض الإساءات تكون بالغة العمق بحيث يصعب التعايش معها أو تجاوزها، لا سيما حين تتكرر، أو تصدر من أشخاص، لم يُبدوا ندما أو تغييرا.
إن احترام الحق في عدم الغفران هو احترام لإنسانية الشخص في ضعفه، وفي حاجته للوقت، وربما للمسافة. وفي هذا السياق، تؤكد أبحاث العلاج السلوكي الجدلي (DBT) أن التوازن بين القبول والتغيير يتطلب الاعتراف بالألم لا إنكاره، وأن التسامح الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على قمع المشاعر أو تجاهلها.
5. التسامح الناضج: شفاء لا تنازل
التسامح الناضج، كما تطرحه مدارس العلاج بالقبول والالتزام (ACT)، هو قرار وعي، لا يهدف إلى تبرئة المسيء، بل إلى تحرير النفس من عبء الكراهية، ومن تكرار مشاهد الألم. ويقوم على قبول ما حدث دون إنكار، مع اتخاذ موقف واضح من العلاقات المؤذية. إنه شكل من أشكال التحرر الداخلي، الذي يسمح للفرد بالمضي قدما في حياته، دون أن يبقى أسيرا لما لا يمكن تغييره.
هذا النوع من التسامح لا يتطلب بالضرورة التصالح أو الاستمرار في العلاقة، بل قد يتجلى في وضع حدود جديدة، وفي إعادة تشكيل ملامح الثقة بطريقة أكثر وعيا ونضجا.
في دروب الألم الوجودي، التي تعبرها النفس الإنسانية، يظل التسامح فعلا سياديا، لا يُقاس بمدى النُبل فحسب، بل بمدى التمكّن من الذات، وصدق المصالحة معها. فالصفح ليس تنازلا عن الكرامة، ولا مرادفا للنسيان، بل خيار يتّخذه المرء حين ينضج جرحه، لا حين يُطلب منه أن يتجاهله. وبين التسامح والخذلان، تبقى النفس هي الحَكَم الأصدق، وهي وحدها من تملك حق القرار وتوقيت الشفاء.
قم بكتابة اول تعليق