موند بريس / بقلم: ذة. سعاد السبع
في زمن تتزاحم فيه الأزمات وتتكاثف الضغوط النفسية تبدو الحاجة ملحّة إلى نوع جديد من الحصانة، لا تُقاس بدرجات الحرارة، ولا تُرصد في فحوص المختبرات. إنها المناعة النفسية، ذاك الحصن الداخلي الذي يحمي الإنسان من الانكسار، ويمنحه القدرة على الصمود والمواصلة، مهما اشتدت العواصف من حوله.
من منظور علم النفس، تشير المناعة النفسية إلى قدرة الفرد على مواجهة الشدائد، التكيف مع المتغيرات، واستعادة التوازن النفسي بعد الأزمات. إنها ليست نفيًا للضعف، بل مهارة معيشية تُكتسب، وتتجسد في كيفية إدارة الانفعالات، وإعادة تأطير التجارب، واستثمار الموارد الداخلية والخارجية.
العلم يتحدث: كيف تعمل المناعة النفسية؟
تُظهر الدراسات أن المناعة النفسية لا تنبع فقط من الإرادة أو التفاؤل، بل من تفاعل معقد بين الجهاز العصبي، منظومة القيم، وأسلوب التفكير. فقد بيّنت أبحاث في علم الأعصاب أن التوازن بين نشاط الفص الجبهي (المسؤول عن اتخاذ القرار والتفكير العقلاني) واللوزة الدماغية (مركز الانفعالات والإنذار) يحدد مدى قدرة الفرد على ضبط التوتر والانفعالات، كما أن هرمونات مثل الكورتيزول والسيروتونين تؤثر بشكل مباشر على المزاج، الطاقة النفسية والقدرة على التأقلم.
أما في علم النفس الايجابي، فقد أصبح للمناعة النفسية موقع مركزي ضمن ما يُعرف بعوامل “الازدهار النفسي”، حيث ترتبط بالصلابة، المرونة والإحساس بالمعنى. ويؤكد مارتن سليغمان، أحد روّاد هذا الحقل أن الإنسان ليس مجرد ضحية للظروف، بل يمتلك من الأدوات النفسية ما يسمح له ببناء سعادته ومناعته من الداخل.
كيف تُبنى المناعة النفسية؟
تشير البحوث إلى أن المناعة النفسية ليست هبة فطرية حصرية، بل مهارة تُنمّى عبر عوامل متعددة منها:
* المرونة الانفعالية: أي القدرة على تقبّل المشاعر السلبية دون الانهيار تحت وطأتها.
* إعادة بناء المعنى: وهي مهارة معرفية تجعل الأفراد يرون الأزمات بوصفها فرصًا للنمو لا مجرد نكبات.
* الدعم الاجتماعي الفعّال: إذ يلعب وجود أشخاص داعمين دورا كبيرا في تعزيز القدرة على الصمود.
* نمط العيش الصحي: بما يشمل النوم الجيد، الرياضة والتغذية المتوازنة التي تؤثر في المزاج ووظائف الدماغ.
* الإيمان بالذات والقدرة على التحكم: أي الشعور بأن للمرء دورا في توجيه مصيره لا مستسلما للعوامل الخارجية.
هل المجتمعات تملك مناعة نفسية؟
لا تقف المناعة النفسية عند حدود الفرد، فالمجتمعات أيضا تمتلك ما يُعرف بـ”المناعة النفسية الجماعية”، وهي قدرة الجماعة على تجاوز الصدمات الكبرى عبر التماسك، التضامن وبناء خطاب جماعي إيجابي. وقد أظهرت تجارب عالمية (كجائحة كوفيد-19 أو كوارث الحروب) أن المجتمعات التي تملك رأسمالا اجتماعيا قويا ومؤسسات داعمة تحقق تعافيا نفسيا أسرع وأكثر فعالية.
نحو ترسيخ ثقافة المناعة النفسية
إن التحديات التي يواجهها الإنسان المعاصر – من تغير مناخي، إلى اضطراب العلاقات، إلى ضغوط الحياة الرقمية – تفرض علينا إعادة النظر في مفهوم الصحة النفسية. فالمناعة النفسية يجب أن تُصبح جزءا من التربية والتعليم وخطاب الإعلام، لا أن تُترك رديفا للرفاهية النفسية في أدبيات متخصصة.
لقد آن الأوان لأن نربي أبناءنا على الصمود، لا فقط على النجاح. وأن ندرّب شبابنا على تقبل الفشل، لا فقط على مراكمة الإنجازات. فالعقل السليم لم يعُد يكفي وحده، بل لا بد من نفس متوازنة قادرة على الثبات والتجدد في عالم سريع التحوّل.
قم بكتابة اول تعليق