موند بريس : رضى الرساوي باحث في العلوم السياسية
يعتبر الدفع بعدم الدستورية آلية اساسية تروم تحقيق رقابة بعدية (قضائية) تلامس مدى دستورية و فعالية النص القانوني من حيث الممارسة في ضمان الحقوق و الحريات. فإذا كانت الرقابة القبلية (السياسية) هي رقابة وقائية سابقة للقانون؛ فالدفع بعدم الدستورية تكمن أهميته في رصد مكامن الخلل الدستوري للقانون على المستوى العملي؛ من خلال منح المعنيين و المحكومين به حق اللجوء للمحكمة الدستورية في حال المس بالحقوق و الحريات التي يضمنها الدستور؛ وذلك وفق ظروف وضوابط يؤطرها قانون تنظيمي. حيث جاء في الفصل 133 من دستور 2011 (تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون؛ أثير أثناء النظر في قضية. وذلك إذا دفع احد الأطراف بأن القانون الذي سيطبق في النزاع يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور؛ يحدد قانون تنظيمي شروط وإجراءات تطبيق هذا الفصل). هذا القانون التنظيمي الذي عرف محطات تثير جدلا يدفعنا للتساؤل حول ما مدى تحقيق رقابة حقيقية بإمتياز، تضمن للأفراد حرية التقاضي و تسمح لهم بالمطالبة إما بإسقاط نص قانوني أو إبعاده؟. و ما حجم الخلاف الشكلي المسطري بين القضاء الدستوري و القضاء العادي؟. وما مصير مشروع القانون التنظيمي86_15 بعد قرار المحكمة الدستورية رقم 70/18؟ للإجابة على هذه الاسئلة ينبغي الوقوف على أهم النقط التي جاء بها هذا المشروع و قرار المحكمة الدستورية.70/18, والتي يمكن تلخيصها في ثلاث محاور. أولا مركزية الرقابة القضائية، ثانياً ازدواجية إحالة الدفوع، ثالثا تفعيل إحالة الدفع بعدم الدستورية من خلال قرار المحكمة الدستورية 80/18.
● مركزية الرقابة القضائية:
بمقتضى التعديلات الدستورية الجديدة التي عرفها المغرب؛ ثم التأكيد بأن المحكمة الدستورية تحتكر مجال الرقابة على دستورية القوانين؛ سواء تعلق الأمر بالرقابة الوقائية (الرقابة السياسية) التي تتوخى اصدار القانون بشكل مطابق للدستور؛ او تعلق الأمر بالرقابة عن طريق الدفع بعدم الدستورية ( الدفع الفرعي )؛ حيث يقرر القاضي استبعاد العمل بقانون معين؛ ولا يعمل بمقتضاه بناءاً على دفع يثار من أحد أطراف الخصومة؛ و القانون الذي استبعد يوصف بأنه غير مطابق للدستور او كونه غير دستوري. و الجدير بالذكر؛ أن إثارة الدفع بعدم الدستورية أمام المحاكم يعرف ثلاث أشكال او خيارات؛ الخيار الأول يتعلق بتمكين المحكمة من إثارة الدفع بعدم الدستورية تلقائيا أثناء البث في قضية رائجة أمامها و تحيله مباشرة إلى المحكمة الدستورية؛ و تتوقف من البث في القضية إلى أن تصدر المحكمة الدستورية قرارها بشأن الدفع المحال إليها. في حين الخيار الثاني يتجلى في صلاحية المحكمة التي أثير أمامها الدفع من قبل أحد أطراف الدعوى؛ أن تتأكد من جديته؛ و إذا تبين لها ذلك تتوقف عن البث في الدعوى الموضوعية الرائجة أمامها؛ و تحيل الدفع مباشرة إلى المحكمة الدستورية. أما الخيار الأخير فيخول للمحكمة التي أثير أمامها الدفع من قبل أحد أطراف الدعوى في حال ثبوت جديته؛ إصدار حكم تمهيدي يخول مثير الدفع مهلة زمنية لتقديم دفعه أمام المحكمة الدستورية؛ فإن لم يقدمه داخل الاجل المحدد له من قبل المحكمة اعتبر هذا الدفع كأن لم يكن؛ و تواصل المحكمة البث في القضية الرائجة أمامها. فعلى هذا الأساس يستخلص بأن الدستور المغربي أخد بالرقابة السياسية و الرقابة عن طريق الدفع؛ مع احتكار مجال الاختصاص للمحكمة الدستورية؛ اي عدم جواز البث في دستورية القوانين من طرف المحاكم الأخرى؛ كما نص عن ذلك الفصل 133 من دستور 2011. و بالرجوع لمشروع القانون التنظيمي رقم 86_ 15المتعلق بتحديد شروط و إجراءات تطبيق الفصل 133 من الدستور؛ نجد أن المشرع الدستوري قد عمد نظام إحالة الدفع بعدم الدستورية من قبل محاكم الموضوع المعروض أمامها النزاع إلى محكمة النقض كجهة لتصفية الدفوع؛ حيث يحال الدفع بعدم دستورية القانون المثار أمام محكمة أول درجة أو محكمة ثاني درجة؛ حسب الحالة؛ إلى الرئيس الأول لمحكمة النقض طبقا لأحكام المادة 6 من مشروع القانون التنظيمي 86_15؛و يشعر فورا الوكيل العام للملك لدى المحكمة بالإحالة المذكورة. كما أن الدفع المذكور قد حدد في أطراف الدعوى و لا يمكن أن يثار تلقائيا من لدن المحكمة أو القاضي. غير أنه بالرجوع إلى قرار المحكمة الدستورية رقم 70/18. نجد أن القاضي الدستوري أكد علي أن النيابة العامة قد تكون طرفا من أطراف الدعوى؛ و بالتالي فقاضي النيابة العامة يجب أن يستثنى من المنع الذي يطال القضاة من عدم الأحقية في الدفع بعدم دستورية قانون ما. وذلك على عكس تجارب عربية أخرى مثل مصر والبحرين؛ التي تمنح للقضاء إمكانية إثارة الدفع بعدم الدستورية.
إن تقرير مبدأ جواز حق الأفراد مباشرة الطعن في دستورية قانون معين عن طريق الدفع؛ معناه أن هذا الحق؛ حتى و ان كان مكانه الطبيعي أمام المحاكم العادية المختصة؛ فإن امر البث فيه يعود للمحكمة الدستورية وفقا للفصل 133 من الدستور؛ مما ينكر حق الرقابة على دستورية القوانين على القضاء. ومما يجعل القاضي مضطر للتعامل مع النصوص القانونية بشكل إيجابي في بعض الأحيان دون فحص دستوريتها(ذلك أن معظم القوانين التي تمس بشكل مباشر حقوق وحرية المواطن بشكل يومي؛ هي قوانين عادية تخضع لرقابة دستورية اختيارية). وهكذا فالقاضي ينتظر الدفع بعدم الدستورية من أحد أطراف الدعوى. مما قد يضيع الحقوق و يسيء للعدالة.
● ازدواجية إحالة الدفوع :
إن النظام الذي اعتمده المشرع الدستوري في الدفع بعدم دستورية القوانين. والذي يتجلى بالأساس في ضبط تدخلات الدفوع نحو المحكمة الدستورية من خلال إحالتها إلى محكمة النقض كجهة لتصفية بغرض إحالة الجدية منها . وذلك لفتح المجال للمحكمة الدستورية في أن تركز بصفة مباشرة في مراقبة دستورية القوانين دون إغراقها بالدفوع الكيدية. و حتى ان كان هذا النظام سيساهم في ضبطها و عقلنتها لتحسين جودة الولوج إلى القضاء الدستوري؛ إلا أنه تعتريه بعض السلبيات تتجلى اساسا في عدم تحقيق النجاعة القضائية داخل الأجل المعقول. حيث أن إغراق محكمة النقض بهذه الدفوع نتيجة تصاعد وتيرة الملفات المسجلة و المحكومة و الرائجة بها و ذلك بموجب إضافة اختصاص جديد يتعلق بتصفية الدفوع المحالة إليها من طرف محاكم الموضوع ؛ سيسهم في تفاقم الوضع و إرباك سير عمل محكمة النقض.ومن جهة أخرى سيفرض على هذه الأخيرة تعاونا و حوارا متبادلا بينها وبين المحكمة الدستورية لتجنب ما يمكن أن ينجم من تضارب الإجتهاد المرتبط بالإحالة أو عدمها من مساس بحقوق وحريات المتقاضين التي يضمنها الدستور. و كذا الإبتعاد عن حدوث تعارض في المواقف بينهما في بعض الأحيان (كما حصل في التجربة الفرنسية و الإيطالية). ومن سلبيات هذا النظام أيضا؛ إمكانية تحول محكمة النقض إلى محكمة دستورية. حيث أن اختصاص تصفية الدفوع و النظر في ما مدى جدية الدفع يقوي قضاة محكمة النقض و يجعلهم قضاة دستوريين. وكأن محكمة النقض هي محكمة دستورية من الدرجة الأولى تختص بفحص دستورية القوانين و المحكمة الدستورية كدرجة ثانية؛ تنتظر ما تتفضل به محكمة النقض بإحالته عليها لتفحص دستوريته بشكل استثنائي. كما أن التعليل الذي ستعطيه محكمة النقض لقرارها بعدم إحالة الدفوع يمكن أن يؤخذ بعين الاعتبار من طرف محاكم الموضوع. و بالرجوع إلى قرار المحكمة الدستورية رقم 70/18؛ نجد حضور هذا الصراع بين القضاء العادي و القضاء الدستوري؛ حيث ثم التركيز بالأساس حول الخلاف الشكلي وثم اغفال او تغييب مسألة الدفع و مصير الحقوق و الحريات كمرتكز دستوري. و تحجيمه في نقاش مسطري يجسد الصراع بين القضاء الدستوري و القضاء العادي. مما يستنتج منه تخوف تحول المحكمة الدستورية لمحكمة عادية.
● قرار المحكمة الدستورية 80/18. و تفعيل الدفع بعدم الدستورية
من المعلوم أن القوانين التنظيمية تحال وجوبا على المحكمة الدستورية لمراقبة دستوريتها. ومن منطلق الفقرة الثالثة من الفصل 85 من الدستور المغربي فإنه (…. لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذ القوانين التنظيمية ،إلا بعد أن تصرح المحكمة الدستورية بمطابقتها للدستور…..) و بموجب المادة 27 في فقرتها الأولى و الثانية؛ يبقى للمحكمة الدستورية حق نشر قرار بعدم مطابقة مادة من قانون تنظيمي أو من قانون أو من نظام داخلي دون إصدار الأمر بالتنفيذ.؛ أو إمكانية فصل المواد الغير المطابقة عن مجمل النص الدستوري وبالتالي إعطاء الأمر بتنفيذ القانون التنظيمي بإستثناء المادة أو المواد المصرح بعدم مطابقتها للدستور . و بالرجوع إلى القرار 70/18 المتعلق بالبث في مطابقة مشروع القانون التنظيمي86_15؛ نجد ان القاضي الدستوري سكت و لم يوضح أو يحدد ما إذا كانت المادة 2(البند “ب”) و المادة 5 (فيما يتعلق من شرطي المقتضى التشريعي و الحقوق و الحريات) و6و7(الفقرة الثانية) و8و13(فيما يتعلق بعدم إقرار مسطرة ترتيب أثر قرار المحكمة الدستورية) و 10 ( مستتني منها ما ورد في آخرها من أنه “لا يمكن إثارته تلقائيا” و 11و12و14و21 الغير المطابقة للدستور تقتضي عدم إصدار الأمر بتنفيذ القانون التنظيمي 86_15.ذلك طبقا للمادة 27 الفقرة الأولى من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية أو الفقرة الثانية المتعلقة بفصل المواد الغير المطابقة للدستور عن مجمل القانون التنظيمي. وبالرجوع إلى القرار المتعلق بقضية توفيق بوعشرين رقم80 /18؛ نجد أن القاضي الدستوري صرح بعدم البث في الدعوى بموجب عدم إصدار الأمر بتنفيذ القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم الدستورية. آخدا بالفقرة الأولى من المادة 27 التي تقتضي عدم إصدار القانون التنظيمي 86_15. وواقع الحال أن القرار 80/18 من المفروض أن يكون سلك مسطرة الدفع بعدم الدستورية بالإحالة على محكمة النقض لإثبات جدية الدفع ؛و من ثم الإحالة على المحكمة الدستورية. ما عدا إذا تم ممارسة الدعوى القضائية الأصلية المباشرة الهجومية ؛ و التي لا يعنيها الدستور المغربي. كما أن بث و إجابة و تفاعل القاضي الدستوري و إصدار قرار بخصوص هذه المسألة يعني ضمينا أن القانون التنظيمي86_15 دخل حيز التنفيذ بعد البث فيه بموجب القرار 70 /18 ؛و كذلك بموجب الفقرة الثانية من المادة 27 من القانون التنظيمي 066_15 المتعلق بالمحكمة الدستورية. أمام هذا التناقض يبقى مصير القانون التنظيمي86_15 في مفترق الطرق بين إعادة نفس مسطرة الإحالة المعتادة لمشاريع القوانين التنظيمية. أو الاكتفاء فقط بالملائمة و التحيين. او الإبقاء على المواد المطابقة للدستور و التي ليس فيها ما يخالفه؛ و الإستغناء أو إستبدال الغير المطابقة منها.
أمام هذا الإشكال يبقى مشروع القانون التنظيمي86_15 في العتمة لم يشهد النور منذ دستور 2011 إلى اليوم . و تبقى معه ممارسة هذا الحق معطلة و ضائعة يشوبها التماطل و التأخير؛ في حين هذا الحق يمارس بشكل طبيعي في دول عربية أخرى و بضمانات أقوى. هذا دون الحديث عن الدول الديمقراطية.
قم بكتابة اول تعليق