عائلات وأقرباء الشبان ضحايا قارب الموت ببالوما ينتظرون جثث أبنائهم

موند بريس: عبدالله بناي/المحمدية

فاجعة تنْسيك في فاجعة، وأموات هنا وهناك، وكوارث طبيعية تأبى أن تمر دون أن تفضح فساد من يسيرون هذا البلد المكلوم، ولا أحد يدري حجم الفساد المستشري في مختلف دواليب الدولة .
فتقارير المجلس الأعلى للحسابات تطلّ علينا في كل مرة لتذكّرنا بمدى استباحة المال العام من طرف مسؤولي الدولة، حتى أصبحت صفقات قطاعاتهم العمومية أغلبها إن لم نقل كلها مشبوهة، وحساباتهم التسييرية والتدبيرية منفوخ في أرقامها حسب تقرير السيد جطو، ليبقى السؤال الذي يطرح نفسه بحدة هو متى سيتم محاسبة هؤلاء؟ ليكونوا عبرة لكل من سولت له نفسه المساس بالمال العام.
يأتي هذا الفساد كله في وقت يكتوي فيه عامة الناس بقلة ذات اليد وغلاء الأسعار وانعدام فرص الشغل مما انعكس سلبا على حياتهم الأسرية واستقرارهم الاجتماعي ليضطر أبنائهم إلى ركوب البحر هربا من هذا الوطن وطمعا في حياة كريمة تقوم على العدل والحرية.
مجموعات من القاصرين يتكدسون في المدن الحدودية مع اوروبا  بأن يعيشوا حياة التشرد في انتظار فرصة الاختباء داخل الشاحنات المتوجهة إلى أوروبا تاركين وراءهم آباء وأمهات يعصرهم الحزن والهم عصراً، وهم ينتظرون مكالمة هاتفية تحدد المصير المجهول لأبنائهم وفلذات أكبادهم.
كيف نقنع هذا الكم الهائل من القاصرين والشباب الذين يركبون البحر يوميا في اتجاه أوروبا في قوارب أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها قوارب للموت، كيف نقنعهم بالمكوث في بلد يتقاسمه حفنة من عديمي الضمير شغلهم الشاغل تنمية أرصدتهم البنكية وبناء أُسر مترفة خارج هذا الوطن المنهوب ..
شباب يموتون في اليوم أكثر من ألف مرة داخل هذا الوطن وهم يتفرجون قسراً على معاناة آبائهم وحرمان أمهاتهم ونحيب أخواتهم دون أن يتمكنوا من التخفيف عنهم ولو بالشيء اليسير.
ماذا عساهم أن يفعلوا غير الهروب في اتجاه الفردوس المفقود، فإما موت في عرض البحر يريحهم من ألم الإحساس بالضعْف، أو النجاة والعبور إلى الضفّة الأخرى والتأسيس لحياة كريمة قوامها العدل والحرية.
إن هذا الصمت الغريب للأحزاب السياسية والنقابات المهنية والجمعيات المدنية إزاء هذا الوضع الكارثي لينم عن فشل
ذريعٍ وخفوقٍ دائم في تأدية وظائفها التأطيرية والدفاعية عن مختلف الحقوق والمكتسبات المنتزعة، لتكون النتيجة فقدان الثقة في كل الأحزاب والنقابات والجمعيات من طرف شريحة واسعة من شباب هذا البلد، وبالتالي فقدان الأمل في كل شيء والبحث عن أقرب فرصة للعبور إلى الضفة الأخرى .
لقد أطبق الحزن على أغلب الأسر المغربية ضحايا الفساد المستشري سواء في البنيات التحتية التي عرّتها الفيضانات الأخيرة أو في مستشفيات وزارة الصحة التي تنعدم فيها أبسط شروط الصحة والبقية الباقية جثث يلفظها بحر الشمال هنا وهناك تشكو إلى خالقها من كان سببا في هذا المصير الحزين .
إنه مغرب الفواجع والأحزان والدموع… يرقص على لحن آلامه المفسدون.
تحت شمس حارقة تلفح أجسادهم المنهكة، يصر أهالي ضحايا حادثة غرق مركب الموت بشاطئ بالوما على الانتظار على أمل تسلم جثث أبنائهم حتى، لدفنها وتوديع أحبائهم بعد أصبح الأمل بلقائهم من جديد معجزة.
وفي شهادة مؤلمة، يقول أحد الآباء الذي ينتظر تسلم “جثة” ابنه المفقود منذ أربعة أيام، وبصوت منهك وبلوعة المكلوم: “أريد تسلم جثة ابني اريد دفنه.. أمنيتي دفنه وتوديعه..”.
وانتقد الأب اليائس، في شهادته لمراسل “موند بريس”، طريقة تعامل المسؤولين المحليين غير الانسانية مع أهالي الضحايا الذين بقوا في العراء ليلا ونهارا دون إحاطة منهم لولا مسارعة فاعلي الخير وجمعيات من المحتمع المدني وأصحاب القلوب الرحيمة، لمساندتهم ومشاركتهم الافطار والغذاء في حركة نبيلة بادر بها منذ يوم أمس مواطنون من كل المناطق المجاورة.
رفقا بشبابنا أيها المسؤولون.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد