موند بريس / بقلم: دة. سعاد السبع
تمتد مأساة بعض الفنانين إلى ما بعد لحظة رحيلهم، حيث يتراجع حضورهم تدريجيا من الذاكرة الجماعية ويبهت أثرهم في الوعي العام. في تلك المساحات المنسية تتشكل حكاية إنسانية عميقة، حكاية فنان كان جزءا من وجدان الناس، يعبّر عن أحلامهم ويمنحهم لحظات من المعنى قبل أن يجد نفسه مثقلا بتراجع الاهتمام وانكماش دوائر الاعتراف.
تتكرر هذه الوضعية في مجتمعاتنا بشكل هادئ لكنه مؤلم، حيث يواجه عدد من الفنانين أوضاعا تتسم بالهشاشة على المستويين المادي والرمزي. يرتبط ذلك بطبيعة المجال الفني الذي يقوم على بنية اقتصادية غير مستقرة، تتأثر بتحولات السوق وتغير الذوق العام، مما يجعل الاستمرارية داخله مرتبطة بعوامل يصعب التحكم فيها. ومع مرور الزمن يتقلص حضور الفنان دون أن يجد سندا مؤسساتيا يحفظ له مكانته ويؤمن له شروط العيش الكريم.
من زاوية سوسيولوجية يرتبط هذا الوضع بضعف آليات تحويل الرأسمال الرمزي إلى أشكال أكثر استقرارا. فالفنان يراكم الاعتراف والتقدير خلال فترات نشاطه، غير أن هذا الرصيد يظل محدود الأثر في غياب بنية داعمة تضمن استمراريته. وفي هذا السياق تحضر مقولة عالم الاجتماع بيير بورديو: “الرأسمال الرمزي لا يحمي صاحبه إذا لم يتحول إلى رأسمال اجتماعي واقتصادي”، وهي عبارة تختزل بدقة مسار التآكل الذي يطال وضع العديد من الفنانين مع تراجع حضورهم.
أما على المستوى النفسي فإن ارتباط هوية الفنان بنظرة الجمهور وتفاعله يجعله أكثر عرضة للتأثر بتراجع هذا التفاعل. ومع تقلص الحضور يتولد إحساس داخلي بالتآكل وفقدان المعنى، يرتبط بانحسار الدور الذي كان يشكّل جزءا من تعريف الذات. وفي هذا الإطار يبرز قول الفيلسوف ألبير كامو: “أصعب ما في السقوط ليس الألم بل إدراك أنك كنت يوما في القمة”، وهو تعبير يكشف عمق الأثر النفسي المرتبط بتحولات المكانة داخل التجربة الإنسانية.
يطرح هذا الواقع تساؤلا حول طبيعة العلاقة التي يقيمها المجتمع مع الفاعلين في المجال الفني، وحول مدى امتداد الاعتراف ليشمل مختلف مراحل حياتهم. يتعلق الأمر بإمكانية إرساء تصور يعترف بدور الفنان ضمن البنية الثقافية، ويمنحه موقعا يليق بإسهامه في تشكيل الوعي الجماعي.
وتواجه النقابات الفنية بدورها تحديات مرتبطة بمحدودية الإمكانيات وغياب سياسات ثقافية مندمجة، كما أن التمثلات الاجتماعية السائدة لا تزال تميل إلى تقليص قيمة الفن ضمن سلم الأولويات، وهو ما ينعكس على مستوى الحماية التي يمكن أن يستفيد منها المشتغلون في هذا المجال.
وتكشف بعض الحالات عن مستويات عالية من الهشاشة تدفع الفنان إلى البحث عن الدعم في ظروف صعبة، وهو ما يعكس اختلالا في البنية الاجتماعية والثقافية التي تؤطر علاقته بمحيطه. هذا الواقع يبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في موقع الفنان من خلال مقاربة تدمج البعد الإنساني والاجتماعي في تقدير مساره.
إن تناول هذه الظاهرة يفتح النقاش حول مكانة الفنان داخل المجتمع باعتباره فاعلا يساهم في بناء المعنى وإغناء التجربة الإنسانية، وحاملا لذاكرة تعكس تحولات الجماعة وتعبّر عنها. ويظل الحفاظ على كرامته مسؤولية جماعية تقتضي تطوير آليات دعم مستدامة تتجاوز منطق المبادرات الظرفية.
رحم الله كل فنان رحل وترك أثرا حيّا في وجدان الناس، ويظل استحضار هذه التجارب مدخلا للتفكير في سبل أكثر إنصافا لصون كرامة من يواصلون مسارهم داخل هذا المجال.
قم بكتابة اول تعليق