موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
لم يعد الإنسان يسير في الفضاء الاجتماعي بخطى طبيعية كما كان يفعل في الأزمنة التي كانت فيها الخصوصية تحيطه بسياج صامت. أصبح يعيش داخل مرآة كبيرة لا تنكسر، مرآة تعكسه في أعين الآخرين قبل أن يراه هو في أعماقه. كل سلوك قابل للتأويل، كل كلمة قابلة للتصنيف، وكل اختيار مشروع تعليق. هكذا يتشكل واقع جديد تتداخل فيه الرغبة في القبول مع الخوف من الرفض، ويتحول الحضور الاجتماعي إلى تجربة نفسية كثيفة تتطلب من الفرد جهدا مستمرا للحفاظ على توازنه الداخلي.
إن الرقابة الاجتماعية ليست مفهوما طارئا في العلوم الإنسانية. فقد بيّن عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل فوكو أن السلطة الحديثة لا تعمل فقط عبر القوانين الصريحة بل عبر آليات دقيقة من المراقبة تجعل الفرد يضبط نفسه بنفسه. وفي تحليله لفكرة “البانوبتيكون” أشار إلى أن مجرد الإحساس بإمكانية المراقبة يكفي لإنتاج سلوك منضبط. هذه الفكرة تجد اليوم تجليها الأوضح في البيئات الرقمية، حيث يتحول الإحساس بالنظر المستمر إلى حالة نفسية ملازمة للوجود اليومي.
ومن جهته وصف عالم الاجتماع الكندي إرفنغ غوفمان التفاعل الاجتماعي باعتباره أداء مسرحيا يقدم فيه الأفراد ذواتهم وفق أدوار محددة سعيا إلى إدارة الانطباع. غير أن هذا “الأداء” كان يتوقف بانتهاء الموقف الاجتماعي، بينما أصبح اليوم ممتدا بلا انقطاع بفعل الشبكات الرقمية التي تبقي الفرد في دائرة العرض الدائم. لم تعد هناك استراحة حقيقية من نظرات الآخرين، بل صار المجال العام متداخلا مع المجال الخاص بشكل يصعب فصله.
وفي هذا السياق يكتسب مفهوم المقارنة الاجتماعية أهمية مركزية. فقد أوضح عالم النفس ليون فستنغر في نظريته أن الإنسان يقيم ذاته عبر مقارنتها بالآخرين بحثا عن معيار يحدد مكانته. غير أن كثافة الصور المثالية المعروضة يوميا، وانتقائية السرديات الشخصية المنشورة جعلت المقارنة أكثر حدة وأقل عدلا.
كما تشير دراسات حديثة في علم النفس الإكلينيكي إلى أن التعرض المكثف لمحتوى يقوم على إبراز الإنجازات والصور المنمقة يرتبط بارتفاع مستويات القلق وانخفاض تقدير الذات خاصة لدى فئة الشباب.
إن العيش تحت التقييم المستمر يولّد ما يمكن تسميته “يقظة نفسية مفرطة”. حيث يصبح الفرد منشغلا بمراقبة ذاته من الداخل، يعيد مراجعة عباراته بعد قولها ويستحضر ردود الفعل المحتملة قبل اتخاذ أي قرار. هذا النمط من الوعي المبالغ فيه بالذات يرتبط بما يسميه علماء النفس “القلق الاجتماعي”، حيث تتحول المواقف اليومية العادية إلى ساحات اختبار خفية. وهناك أبحاث تشير إلى أن هذا القلق لا ينشأ فقط من تجارب نقد مباشر، بل من توقع النقد ذاته، أي من ترقب الحكم قبل صدوره.
أما من منظور سوسيونفسي فتتحول الرقابة الخارجية تدريجيا إلى رقابة داخلية. حين يستبطن الفرد صوت المجتمع، ويجعله معيارا يحاكم به رغباته وخياراته. هذا الاستبطان قد يمنحه قدرة على التكيف الاجتماعي، لكنه حين يتجاوز حدوده الطبيعية يصبح عبئا على التوازن النفسي. وتشير أدبيات علم النفس التحليلي إلى أن اتساع الفجوة بين “الذات الأصيلة” و“الذات المعروضة” يؤدي إلى شعور بالاغتراب الداخلي، حيث يعيش الإنسان حالة انفصال صامت بين ما يشعر به فعلا وما يضطر إلى إظهاره.
في حين في المجتمعات التي تُعلي من شأن السمعة والانتماء الأسري، تتخذ الرقابة الاجتماعية بعدا جماعيا يتجاوز الفرد ذاته. حيث الصورة الشخصية لا تخص صاحبها فقط، بل تنعكس على شبكة واسعة من العلاقات. وهذا الامتداد يزيد من حساسية السلوك ويضاعف الشعور بالمسؤولية الاجتماعية، وقد يدفع بعض الأفراد إلى كبت ميولهم أو إعادة تشكيل اختياراتهم بما يتوافق مع توقعات الجماعة. أما الدراسات السوسيولوجية التي اشتغلت على المجتمعات التقليدية فتشير إلى أن هذا النوع من الضغط يرتبط بارتفاع مستويات الصراع الداخلي لدى فئات الشباب خاصة في مراحل تشكل الهوية.
ونجد أن الأثر النفسي لهذا المناخ لا يقتصر على القلق فحسب بل يمتد إلى الإرهاق العاطفي واضطرابات النوم وتراجع الإحساس بالأمان الداخلي. وحين يشعر الإنسان أن قيمته مشروطة برضا الآخرين، يصبح تقديره لذاته هشا، يتأرجح تبعا لتعليق أو نظرة أو تفاعل رقمي عابر. حيث أشارت تقارير نفسية حديثة إلى أن الاعتماد المفرط على التقييم الخارجي يرتبط بما يسمى “الهوية المعتمدة على التغذية الراجعة”، وهي هوية تفقد استقرارها عند غياب الدعم أو عند التعرض للنقد الدائم.
إن استعادة التوازن النفسي في ظل هذا الواقع لا تعني الانسحاب من المجال الاجتماعي، بل تعني بناء مرجعية داخلية أكثر رسوخا. تطوير وعي نقدي بطريقة اشتغال وسائل التواصل، وتعزيز التربية على قبول التعدد والاختلاف، وإعادة الاعتبار للخصوصية كقيمة إنسانية… كلها مداخل ضرورية للتخفيف من وطأة الرقابة المستمرة. كما أن دعم الصحة النفسية في المؤسسات التعليمية والإعلامية يمثل خطوة أساسية نحو بناء مناخ اجتماعي أقل قسوة وأكثر إنصافا.
ورغم أن الإنسان يعتبر كائنا اجتماعيا بطبيعته، لكنه يحتاج إلى مساحة آمنة داخلية لا تخضع لكل تقييم. في تلك المساحة تتشكل الهوية بعيدا عن ضجيج التصنيفات، وينمو الشعور بالقيمة الذاتية بعيدا عن رهانات القبول اللحظي. وحين يستعيد الفرد حقه في أن يخطئ ويتعلم دون خوف من الوصم، يصبح أكثر قدرة على العيش في المجتمع دون أن يفقد توازنه النفسي أو صلته العميقة بذاته.
قم بكتابة اول تعليق