موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
أصبح التكيف النفسي في الخطاب المعاصر قيمة مركزية يُعاد إنتاجها باستمرار بوصفها دليلا على النضج والوعي والقدرة على الاستمرار. ويُنظر إلى الإنسان المتكيف باعتباره الأكثر حكمة، والأكثر اتزانا، والأقدر على مواجهة تقلبات الحياة دون ضجيج. غير أن هذا التقديس غير المشروط للتكيف يُخفي منطقة مسكوتا عنها، منطقة تتوارى فيها معاناة هادئة لا تُرى بسهولة، لكنها تترك أثرها العميق في النفس على المدى الطويل.
فمن الزاوية النفسية يُفهم التكيف باعتباره آلية داخلية تساعد الفرد على تنظيم استجاباته الانفعالية حين يواجه ظروفا تفوق قدرته على التغيير. فالنفس بطبيعتها تبحث عن التوازن، وتعيد ترتيب مشاعرها وأفكارها كي تحافظ على قدر من الاستقرار. إلا أن الإشكال يبدأ حين يتحول هذا التكيف من عملية مرنة إلى نمط ثابت، ومن استجابة مؤقتة إلى أسلوب حياة، ومن خيار واع إلى مسار شبه إجباري.
وفي كثير من الحالات لا ينبع التكيف من قرار حر بقدر ما يتشكل داخل سياقات ضاغطة تترك للفرد هامشا ضيقا للمناورة. فحين تُقفل أبواب البدائل، وحين تصبح كلفة الاعتراض أعلى من كلفة الصمت، يتخذ التكيف شكل الامتثال الهادئ. هنا لا يعود الفرد يتكيف لأنه يريد ذلك بل لأنه لا يرى أمامه سوى هذا الطريق.
وهذا النمط من التكيف لا يمرّ دون ثمن نفسي. فالمشاعر التي لا يُفسح لها المجال للتعبير لا تختفي بل تنسحب إلى الداخل. الألم الذي لا يُسمّى لا يزول بل يعيد تشكيل ذاته في صورة إنهاك، أو فتور، أو تعب غير مفسّر. وكما عبّر إريك فروم بدقة لافتة: «قد يتقن الإنسان فن البقاء، ويخسر في المقابل فن الإحساس بالحياة». فالتكيف المفرط قد يحفظ الشكل الخارجي للاستقرار، بينما يفرغ التجربة الداخلية من حيويتها.
أما المقاربة السوسيولوجية فتكشف أن هذا التكيف ليس شأنا فرديا خالصا، بل نتاج منظومة ثقافية كاملة. مجتمعات كثيرة تمجّد التحمل، وتربط الصمت بالرزانة، وتُحمّل الفرد مسؤولية التعايش مع كل ما يُفرض عليه. في مثل هذه السياقات يصبح التعبير عن الضيق نوعا من الضعف، ويُنظر إلى الشكوى باعتبارها قلة امتنان، بينما يُكافأ من يواصل السير بصمت مهما كانت الكلفة النفسية.
وضمن هذا الإطار يتخذ التكيف طابع التطبيع مع أوضاع مجهدة نفسيا. تطبيع مع علاقات غير متوازنة، مع أدوار اجتماعية خانقة، مع بيئات عمل تستنزف الإنسان دون أن تمنحه معنى أو أمانا. ويكمن الخطر في أن هذا التطبيع لا يُفرض بالقوة الصريحة، وإنما يُمرَّر عبر خطاب ناعم يُقنع الفرد بأن ما يعيشه هو “الطبيعي” و“المتوقَّع”. وقد أشار بيير بورديو أن أكثر أشكال العنف تعقيدا هو ذلك الذي يُمارَس بطريقة رمزية، حيث يتماهى المتضرر مع الشروط التي تُثقل كاهله.
لكن مع مرور الوقت يطوّر الإنسان المتكيف قدرة لافتة على الاستمرار دون اعتراض، وقدرة موازية على إخماد إشارات الإنذار الداخلية. هنا يظهر وجه آخر للجانب المظلم من التكيف: الخدر العاطفي. فبدل أن تشعر النفس بالألم بحدّته الأولى، تتعلم أن تخفّض مستوى الإحساس، لا حماية لها وإنما هربا من مواجهة ما لا يمكن تغييره. هذا الخدر لا يبدو كارثيا في بدايته لكنه يتسلل ببطء ليجعل الفرح أقل كثافة، والحزن أقل وضوحا، والحياة أقل حضورا.
وبالتالي لا يعود معيار الصحة النفسية محصورا في القدرة على الاحتمال، وإنما في القدرة على الإنصات لما يحدث في الداخل. فالنضج النفسي لا يتجلى فقط في الصبر بل في الوعي بالحدود، وفي الاعتراف بأن بعض الأوضاع مهما طال التعايش معها تظل مرهقة للروح.
إن تسمية الألم، والاعتراف بالإنهاك، ليسا نقيضا للقوة وإنما شكلا أعمق منها.
أما الجانب المظلم من التكيف النفسي فلا يُعلن عن نفسه بصخب، ولا يترك علامات فورية. إنه يعمل بصمت، ويُراكم أثره في التفاصيل الصغيرة: في التعب غير المبرر، في فقدان الشغف، في الشعور الدائم بأن شيئا ما يُستنزف دون أن يُرى. والتحدي الحقيقي لا يكمن في الدعوة إلى الرفض المطلق، وإنما في استعادة الحق في المراجعة، وفي مساءلة اللحظة التي يتحول فيها التكيف من مرونة تحمي الإنسان إلى عبء يُثقله من الداخل.
قم بكتابة اول تعليق