موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
انبثق هذا المقال من تجربة ثقافية حيّة، من جلسة أدبية خُصِّصت لمناقشة كتاب ضمن لقاء شهري، تخللها مقطع سيكودرامي جرى تجسيده داخل القاعة في تفاعل مباشر مع المشاركين. حمل هذا التجسيد كثافة دلالية واضحة، وعكس مضمون الكتاب من زاوية نفسية عميقة، حيث انتقلت الأفكار إلى مستوى المعايشة والانفعال. وقد أتاح هذا التفاعل المباشر ملاحظة الأثر النفسي للتجربة، وفتح أفقا للتفكير في السيكودراما باعتبارها ممارسة قادرة على ملامسة مناطق داخلية يصعب التعبير عنها لغويا، مرافقة الألم النفسي نحو الفهم وإعادة التنظيم وإضاءة الجوانب المعتمة داخل الروح المنهكة.
تنتمي السيكودراما إلى المقاربات النفسية التي تنظر إلى الإنسان بوصفه كيانا متكاملا، تتشابك فيه الخبرة الشعورية بالجسد، وتتداخل فيه العلاقات مع التاريخ الشخصي. هذا التصور تبلور مع الطبيب النفسي Jacob L. Moreno، الذي أولى أهمية خاصة للتجربة المعاشة بوصفها مدخلا أساسيا للعمل العلاجي. فالخبرة الإنسانية تُسجَّل عبر الانفعال والحركة ونبرة الصوت وتوتر الجسد، وتكتسب معناها حين تُستعاد ضمن فضاء يسمح بالملاحظة والتأمل وإعادة الفهم.
وتشير الأدبيات النفسية المعاصرة إلى أن الخبرات المؤلمة التي لم تجد إطارا للفهم أثناء حدوثها تستمر في التأثير عبر الذاكرة الانفعالية. وقد بينت أبحاث في مجال الصدمة النفسية أن هذه الخبرات تظل نشطة في الجسد، وتنعكس في أنماط شعورية وسلوكية متكررة. وتتيح السيكودراما التعامل مع هذا النوع من الذاكرة من خلال تحويلها إلى مشاهد حيّة، حيث يصبح فيها الانفعال مرئيا وقابلا للفهم والتحليل داخل علاقة علاجية آمنة.
في الجلسة السيكودرامية يحضر الفرد بكامل أبعاده النفسية والجسدية. تُستدعى الشخصيات المؤثرة في تاريخه، والعلاقات التي تركت أثرا طويل الأمد، والأصوات الداخلية التي تؤثر في نظرته إلى ذاته وللعالم. ويسمح هذا التجسيد برصد الديناميات النفسية كما تتشكل في العمق، ويكشف عن أنماط تفاعل تستمر عبر مراحل مختلفة من الحياة. وقد أظهرت دراسات في العلاج الجماعي أن هذا النمط من العمل يساهم في تعميق الوعي بالذات، وفي تحسين القدرة على فهم المشاعر وربطها بسياقها الشخصي.
كما تُستكمل العملية العلاجية بمرحلة تأملية يتم خلالها تحليل ما جرى داخل الجلسة وربطه بالتاريخ الشخصي والخبرة العلائقية. وتساعد هذه المرحلة على بناء سرد داخلي أكثر تماسكا، وعلى إدماج التجربة النفسية ضمن إطار مفهومي يسمح بالاشتغال العلاجي. كما تؤكد مدارس العلاج الديناميكي على أهمية هذا الفهم في إعادة تنظيم الخبرة النفسية، وفي تخفيف حدة الصراع الداخلي الذي يرافق التجارب غير المفهومة.
وتُظهر الممارسة السريرية أن السيكودراما مفيدة لفئات متعددة، خاصة لدى الأشخاص الذين يواجهون صعوبة في التعبير اللفظي، أو يشعرون بأن اللغة لم تعد قادرة على احتواء معاناتهم. حيث يفتح التجسيد مساحة مباشرة للتواصل مع الانفعال، ويتيح احتواءه ضمن علاقة علاجية داعمة بما يعزز إمكانات التغيير النفسي. ولهذا تُستخدم السيكودراما في مجالات علاجية متعددة تشمل الصدمات النفسية، اضطرابات القلق، صعوبات العلاقات والعمل على قضايا الهوية وتقدير الذات.
وقد أبرزت التجربة التي انطلق منها هذا المقال أيضا البعد التوعوي للسيكودراما. فعندما تُدرج في فضاءات ثقافية أو أدبية فهي تسهم في رفع الوعي النفسي من خلال الأثر الوجداني الذي تُحدثه لدى الحاضرين. كما يوقظ هذا التفاعل تجارب شخصية صامتة، ويعزز الإحساس بالمشترك الإنساني، ويدعم مقاربة أكثر تفهما للألم النفسي، بعيدا عن الوصم أو الاختزال.
كما يوفر العمل الجماعي في السيكودراما إطارا إنسانيا داعما، حيث تشكل المجموعة فضاء للاحتواء. وتشير نظريات الدعم الاجتماعي إلى أن الشعور بالفهم والمشاركة يعزز الأمان النفسي ويقوّي القدرة على التكيف. واستنادا إلى هذا التصور يصبح حضور الآخرين عنصرا فاعلا في العملية العلاجية، لما يحمله من اعتراف وتجربة إنسانية مشتركة.
كما يهدف هذا المقال إلى إبراز مكانة السيكودراما ضمن منظومة العلاج النفسي ورفع الوعي والوقاية. فهي تفتح مجالا لفهم النفس من داخل التجربة، وتمنح الجسد مساحة للتعبير، وتساعد على إضاءة مناطق ظلّت عالقة في الداخل زمنا طويلا.
ومن تجربة سيكودرامية داخل جلسة أدبية اتسع مجال التفكير في إمكانات هذا الأسلوب، وفي دوره في مرافقة الإنسان في مسار الفهم والترميم، وفي إسهامه في إعادة بناء العلاقة مع الذات ومع الخبرة الإنسانية المؤلمة.
قم بكتابة اول تعليق