كيف نرهق أنفسنا باسم النضج ؟

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

سؤال يبدو بسيطا لكنه يخفي خلفه تاريخا طويلا من التعلّم الصامت، ومن التنازلات الصغيرة التي راكمناها حتى صارت عبئا نفسيا ثقيلا لا اسم له. فالنضج كما نعيشه في حياتنا اليومية، لم يعد مجرد وعي بالذات أو قدرة على الفهم، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى شرط اجتماعي غير معلن، يُطلب منا باستمرار، ويُحاسَب عليه من دون أن ننتبه.
نكبر فنُطالَب بأن نتحمّل أكثر، أن نصمت أكثر، وأن نُتقن فن التجاوز حتى عن الأشياء التي لم تُفهم بعد ولم تُشفَ. نُقنع أنفسنا أن التراجع عن الشكوى علامة قوة، وأن ضبط المشاعر دليل حكمة، وأن التعبير عن الضيق نوع من الضعف أو قلة النضج. شيئا فشيئا نتعلّم كيف نُخفي توترنا خلف لغة متزنة، وكيف نُجمّل الإرهاق بكلمات رصينة، وكيف نُسمي الكبت تعقّلا.
قد لا يعود النضج تجربة داخلية ناضجة بقدر ما يصبح أداء اجتماعيا متقنا. نُظهر أننا بخير لأن هذا ما يُنتظر منا، لا لأننا نعيش فعلا حالة اتزان. نُدير علاقاتنا بمنطق العقل وحده، ونتعامل مع الخذلان وكأنه درس عابر، ومع الاستنزاف كأنه مرحلة طبيعية من مراحل الكبر. غير أن ما لا يُقال لا يختفي، وما لا يُعبَّر عنه لا يتبخّر، بل يتراكم في الداخل في شكل إنهاك صامت.
كثيرون هم من يعيشون هذا الإرهاق دون أن يجدوا له لغة واضحة. يشعرون بثقل داخلي، بتعب لا يرتبط بحدث محدد، وبضيق يظهر فجأة رغم أن الحياة تبدو “مستقرة”. هذا التعب ليس وليد ضعف شخصي، بل نتيجة مباشرة لنمط عيش يُكافئ الصبر غير المحدود، ويُطبع الألم بطابع النضج، ويُعيد تأويل المعاناة بوصفها دليلا على الرقيّ.
ويشير إريك فروم إلى أن الإنسان حين ينفصل عن مشاعره بدعوى التكيّف، يفقد جزءا أساسيا من إنسانيته. فالتوازن النفسي لا يتحقق عبر إسكات الداخل، وإنما عبر الإصغاء إليه وتنظيمه. غير أن الثقافة المعاصرة تدفع الأفراد إلى نوع من السيطرة المستمرة على الذات، حيث يُنظر إلى التعبير العاطفي بريبة، ويُربط الوعي بالقدرة على الاحتمال أكثر من القدرة على الاعتراف.
من هنا يبدأ النضج في فقدان معناه الإنساني. ويتحوّل إلى عبء أخلاقي نحمّله لأنفسنا، وإلى مقياس نقيس به قيمتنا في أعين الآخرين. فنتحمّل ما يفوق طاقتنا لأننا لا نريد أن نبدو هشّين، ونتجاوز حدودنا لأننا لا نريد خذلان صورة “الشخص العاقل”. نبرّر الاستمرار في علاقات مُنهِكة بحجج الفهم، ونُقلّل من شأن حاجاتنا بدعوى الواقعية، ونؤجل ذواتنا إلى أجل غير مسمّى.
هذا النوع من النضج لا يحرّر الإنسان بل يثقله. يخلق مسافة بينه وبين مشاعره، ويجعله يعيش حالة من الأداء الدائم. قد ينجح في التكيّف، وقد يحافظ على صورته الاجتماعية، لكنه يدفع ثمنا داخليا لا يظهر فورا. الإرهاق، الفتور، فقدان الشغف والشعور بالفراغ، كلها مظاهر لهذا الثمن المؤجَّل.
ويذهب زيغمونت باومان إلى أن الإنسان المعاصر يعيش تحت ضغط مستمر ليكون متماسكا، متزنا وقادرا على الاستمرار دون توقف. حينها يصبح التعب عيبا، والاحتياج نقصا، والتردد ضعفا. وهكذا لا يُمنح الفرد مساحة حقيقية ليكون إنسانا قبل أن يكون ناضجا.
والمفارقة أن هذا النضج المرهق لا يقرّبنا من السلام الداخلي بل يُبعدنا عنه. فكلما أمعنّا في تجاهل إشارات النفس، ازدادت حدّتها في الخفاء. وكلما بالغنا في التحكّم، زادت احتمالات الانهيار الصامت. لا يحدث ذلك دفعة واحدة بل عبر استنزاف بطيء، عبر سنوات من التحمّل غير المفحوص.
وربما نحتاج اليوم إلى إعادة النظر في الطريقة التي نفهم بها النضج. ليس بوصفه إنكارا للألم، ولا كتما للمشاعر، ولا قدرة غير محدودة على الاحتمال، وإنما باعتباره وعيا مرنا يسمح بالاعتراف، ويمنح النفس حقها في التعب، ويُدرك أن القوة لا تعني الصلابة الدائمة. فالنضج الذي لا يرهق هو ذاك الذي يُنصت قبل أن يُبرّر، ويتوقف قبل أن يستنزف، ويعترف بالحاجة دون خوف من الأحكام. وأن أخطر ما نفعله بأنفسنا حين نُرهقها باسم النضج، أننا نُتقن إدارة الحياة، ونفقد القدرة على الإحساس بها.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد