إرهاق الوعي: حين يتحوّل التفكير المستمر إلى عبء وجودي

موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع

لم يعد التعب المعاصر ظاهرة مرتبطة فقط بإيقاع الحياة أو بتراكم المسؤوليات. ثمة إرهاق آخر يتكوّن في العمق بعيدا عن الضجيج، ينشأ من علاقة الإنسان الحديثة بذاته، ومن تحوّل الوعي إلى حالة دائمة من الاستنفار. إنه تعب التفكير حين يغدو إقامة طويلة داخل الذهن، وحين يصبح الانتباه المستمر عبئا على الوجود بدل أن يكون وسيلة لفهمه.
هكذا يعيش الإنسان وهو يُرافق نفسه بعين يقِظة لا تنام. يراقب مشاعره، يفسّر انفعالاته، يُعيد ترتيب أفكاره ويضبط ردود فعله قبل أن تظهر. و من هنا تتحوّل التجربة إلى مادة ذهنية قابلة للتحليل، وتفقد لحظتها الأولى. فلا يعود العيش حدثا مباشرا وإنما مسارا مُراقَبا، مُفسَّرا، مُعاد صياغته داخليا.

الوجود بوصفه تجربة قبل أن يكون فهما.

تنطلق الفلسفة الوجودية من فكرة أساسية مفادها أن الإنسان يُدرك العالم أولا عبر التجربة، قبل أن يمنحه المعنى. يوضح الفيلسوف مارتن هايدغر أن الوجود الإنساني يتشوّه حين ينغمس الكائن في التفكير حول ذاته أكثر من انخراطه في العيش. في هذه الحالة يفقد الإنسان علاقته المباشرة بالعالم ويستبدل الحضور بالتأمّل المفرط.
هذا الانفصال التدريجي بين الوعي والتجربة يُنتج توترا داخليا لا يهدأ. فالعقل حين يُستدعى باستمرار يتحوّل إلى جهاز مراقبة داخلي يقيس ويُقيّم ويُعيد الضبط. ومع الزمن يفقد قدرته على الإصغاء لأن الإصغاء يفترض التوقف، والتوقف لم يعد مسموحا في ثقافة تُعلي من اليقظة الدائمة.

ثقافة الوعي الزائد.

لم يعد التعقّل مجرّد مهارة شخصية، بل أصبح قيمة اجتماعية. صار يُنتظر من الفرد أن يكون متماسكا، متزنا، قادرا على تفسير نفسه في كل لحظة.
و من تم تُكافَأ القدرة على الضبط، ويُحتفى بالتماسك النفسي، ويُقدَّم الفهم العقلاني بوصفه علامة نضج. في هذا المناخ يتعلّم الإنسان أن يكون حاضرا ذهنيا طوال الوقت وأن يحوّل ذاته إلى مشروع تفسير مستمر.
ويشير عالم الاجتماع زيغمونت باومان إلى أن الإنسان المعاصر يعيش داخل حالة سيولة وجودية تُلزمه إعادة تعريف نفسه باستمرار. هذه المراجعة المتواصلة تستهلك طاقة نفسية هائلة، لأن الهوية لم تعد مستقرّة بل صارت بناء ذهنيا يحتاج إلى صيانة دائمة.

حين تتراجع اللغة الشعورية.

في ظل هذا التضخّم الذهني تتآكل العلاقة مع الشعور. حيث لا تختفي العواطف لكنها تفقد لغتها الأصلية. ويُعاد تأطيرها في مجموعة من المفاهيم، وتُختصر في تفسيرات، وتُنزَع عنها عفويتها.
و في هذا الإطار ينبّه كارل غوستاف يونغ إلى أن النفس تفقد توازنها حين تهيمن عليها وظيفة واحدة على بقية وظائفها، لأن ما لا يجد طريقه إلى التعبير يتحوّل إلى ثقل داخلي.
وبالتالي فإن التعب الناتج عن هذا المسار لا يرتبط بموقف بعينه، بل ينبع من تراكم طويل الأمد، يظهر في شكل إنهاك عام، أو فقدان للطاقة، أو شعور داخلي بالامتلاء المرهق، حيث لا يجد الإنسان فسحة داخلية للصمت.

العقلانية كدرع نفسي.

في كثير من التجارب الإنسانية تتحوّل العقلانية إلى آلية دفاع راقية. تُستخدم لتنظيم الألم، ولحماية الذات من الفوضى، وللحفاظ على صورة متماسكة أمام العالم. وتصف الباحثة بريني براون هذا النمط بوصفه انفصالا هادئا عن المشاعر، حيث تُستبدل الهشاشة بالكفاءة، ويُستبدل العيش بالشرح.
هذا الدرع يمنح شعورا مؤقتا بالأمان، لكنه يفرض كلفة نفسية متراكمة. فالمشاعر المؤجَّلة لا تتلاشى، بل تُخزَّن في الجسد والذاكرة، وتظهر لاحقا في صورة إرهاق مزمن، أو قلق غامض، أو شعور داخلي بالبعد عن الذات.

إرهاق الوعي بوصفه رسالة.

إرهاق التفكير المستمر لا يدل على ضعف في العقل، بل على تجاوزه لوظيفته الطبيعية. إنه إشارة وجودية إلى حاجة الإنسان لإعادة توزيع أدواره الداخلية. فالعقل خُلِق للفهم لا للإقامة الدائمة. وحين يُعاد إلى مكانه ضمن منظومة أوسع تشمل الشعور والجسد والحدس يستعيد توازنه.
وفي عالم يُثقل الإنسان بوعي لا يهدأ، يصبح التعافي فعلا وجوديا، من إتاحة مساحات للتجربة غير المفسَّرة، وللحظة التي لا تُطالب بالمعنى، وللشعور الذي يُسمح له بالمرور دون محاكمة داخلية. هناك في تلك المساحة الهادئة يستعيد الإنسان خفة الوجود، ويخفّ عبء التفكير، ويعود العقل إلى دوره الأصلي المتمثل في مرافقة الحياة لا السيطرة عليها.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد