موند بريس / بقلم: دة.سعاد السبع
في بعض العلاقات لا يأتي التآكل على هيئة صدمة.
لا تُرفع الأصوات، لا تُعلن القطيعة ولا تُمارَس السيطرة بشكل مباشر.
بل كل ما يحدث يتم بهدوء شديد إلى درجة يصعب معها التقاط لحظة البداية. تبدأ العلاقة باعتبارها مساحة قرب، ثم تتحوّل تدريجيا إلى فضاء مشروط: حضور محسوب، تعبير مراقَب، امتداد مؤجَّل… لا أحد يقول لك صراحة إن عليك أن تكون أقل، لكنك تتعلّم مع الوقت أن بعض الأجزاء منك تُربك النظام القائم، وأن الاستمرار يتطلّب تهذيب الذات.
فهذا النوع من العلاقات لا يفرض الاختفاء، بل يدرّبه. ويُعيد تشكيل الحضور الإنساني عبر سلسلة توقعات ناعمة تُقدَّم غالبا في صيغة حرص أو خوف أو رغبة في الاستقرار. ومع تراكم الزمن يكتشف الفرد أنه حاضر جسديا وعاطفيا، لكنه غائب وجوديا، وأن العلاقة التي احتضنته في البداية باتت تتّسع بقدر ما ينكمش هو.
المقاربة النفسية: الصغر كصيغة للتكيّف المرهق
من منظور علم النفس العلائقي، العلاقة التي تطلب من أحد أطرافها أن يصغر تُنتج نمطا خاصا من التكيّف، لا يقوم على التفاعل الحر، بل على إدارة الأثر. والفرد هنا لا يعيش ذاته كما هي، بل كما ينبغي أن تكون كي لا تُربك الآخر. أما التكيّف فيتحوّل من مهارة مرنة إلى عبء داخلي دائم يُستهلك فيه قدر كبير من الطاقة النفسية.
يقول إريك فروم: “الحب الناضج هو اتحاد يحتفظ فيه الإنسان بسلامة ذاته الفردية”
هذه العبارة تختصر جوهر الإشكال. فحين يُشترط الاتحاد بتقليص الذات، تتحوّل العلاقة إلى علاقة امتلاك ناعم يُقاس فيها القرب بمدى الاستعداد للتنازل عن المساحة الداخلية. وبالتالي تتشكّل ذات حذرة، يقِظة أكثر من اللازم، تُراجع نفسها باستمرار. هذه الذات لا تفقد قدرتها على الفهم، لكنها تفقد إحساسها بالحق الطبيعي في الظهور. ومع الزمن، يظهر ما يمكن تسميته بالإنهاك الوجودي، وهو شعور داخلي بأن الجهد المبذول للحفاظ على العلاقة يفوق العائد النفسي منها.
ويشير كارل يونغ إلى أن: “ما لا نعيشه بوعينا، نعيشه بأعراضنا”
فالأجزاء التي يُطلب منها التواري لا تختفي، بل تعود في شكل قلق، توتر مزمن، شعور بالفراغ، أو إحساس غامض بانعدام المعنى. الصغر هنا لا يُنتج السلام، بل يُراكم توترا صامتا يبحث عن منفذ.
التنازل المتدرّج: كيف يُعاد تشكيل الوعي العاطفي؟
ما يمنح هذا النمط العلائقي قوته أنه لا يُفرض دفعة واحدة. فالتنازل يأتي مجزّأً، موزّعًا على تفاصيل يومية تبدو غير مؤذية، كَرأي لم يُقل، شعور تم التقليل من شأنه، حلم أُجِّل باسم الواقعية… ومع التكرار، يتحوّل التنازل إلى عادة نفسية، ويُعاد تعريف النضج بوصفه قدرة على الصمت، لا قدرة على التعبير.
وتُحذّر أليس ميلر من هذا النمط معتبرة أن: “الطفل الذي تعلّم أن يكون مقبولا عبر التكيّف المفرط، يصبح راشدا بارعا في إرضاء الآخرين، مرتبكا أمام رغباته الخاصة”، وعندما يُعاد إنتاج هذا السيناريو داخل علاقة راشدة، يصبح الفرد ماهرا في الحفاظ على الرابط ومحدود القدرة على الشعور بالامتلاء داخله.
في هذه المرحلة لا يعود السؤال الداخلي: ماذا أريد؟ بل: كيف يجب أن أكون؟ ويتحوّل الحب إلى عملية ضبط ذاتي مستمرة يُقاس نجاحها بمدى غياب الاضطراب، حتى وإن كان هذا الغياب نتيجة كبت طويل الأمد.
المقاربة السوسيونفسية: شرعنة الانكماش باسم القيم
اجتماعيا تحظى هذه العلاقات بقبول واسع لأنها تنسجم مع خطاب يُمجّد الصبر، ويُضفي على التحمّل قيمة أخلاقية عالية. يُشاد بالشريك الذي “يحتوي”، الذي “يتجاوز”، الذي “لا يعقّد الأمور”. وفي هذا السياق يُعاد إنتاج نموذج إنساني يُكافَأ على انكماشه، ويُطالَب دائمًا بمزيد من المرونة.
هذا التطبيع لا يجعل العلاقة صحية، بل يجعل اختلالها أقل وضوحا. فالمحيط يرى استمرارية شكلية، بينما لا يرى الثمن النفسي المدفوع في الداخل.
تقول برينيه براون: “الانتماء الحقيقي لا يطلب منا أن نتخلى عمّن نكون”
وحين يُبنى الانتماء على التخلي عن أجزاء من الذات، يتحوّل القرب إلى تجربة مشروطة، ويغدو الاستمرار مرهونا بالخسارة الداخلية.
مؤشرات الصغر القسري: حين يصبح الحضور مجهودا
لا تظهر هذه العلاقات كعلاقات صدامية، بل كعلاقات مرهقة على نحو غامض. يشعر الفرد بأنه يحتاج إلى جهد مضاعف ليكون نفسه، وبأنه مطالب بتبرير مشاعره، وبأن بعض جوانب الفرح أو الطموح تحتاج إلى تخفيف حتى لا تُساء قراءتها. هذا الإرهاق لا ينتج عن كثرة الخلاف، بل عن كثرة المراقبة الذاتية.
أي استمرارية نختار؟
العلاقات التي تُنقِص الإنسان كي تستمر، قد تنجح في البقاء زمنا طويلا، لكنها تفشل في أن تكون حيّة. الاستمرار هنا يتحقّق على حساب الاتساع، والهدوء يُشترى بثمن داخلي باهظ.
يقول بول تيليش: “القلق الوجودي ينشأ حين يُمنع الإنسان من أن يكون ذاته”
وهذا بالضبط ما تفعله العلاقة التي تطلب منك أن تصغر: تمنحك القرب، وتؤجّل ذاتك.
السؤال الحاسم لا يتعلّق بقدرتنا على الاحتمال، بل بما نخسره ونحن نحتمل.
فحين يصبح الانكماش شرطًا غير معلن للاستمرار، تكون العلاقة قد نجحت شكليًا، وخسرت إنسانيا.
قم بكتابة اول تعليق