متلازمة الباب الدوّار: حين نغادر دون أن نرحل فعلا

موند بريس /  بقلم: دة.سعاد السبع

ليست كل المغادرات حاسمة، ولا كل القرارات نهاية الطريق. ففي زوايا كثيرة من حياتنا النفسية والاجتماعية، ثمة من يفتح الباب ليخرج ثم يعود بعد خطوات قليلة، لا لأن الطريق أخافه بل لأنه لم يحسم داخله معنى الرحيل. هنا تتجلى ما يمكن تسميته بـمتلازمة الباب الدوّار: حالة يتكرر فيها الدخول والخروج من العلاقات، المشاريع، المواقف، وحتى القناعات، دون اكتمال فعل الحسم أو النضج.

هذه المتلازمة لا تُقرأ كسلوك عابر أو تردّد بسيط، بل كدينامية نفسية مركبة تختلط فيها المخاوف العميقة بالرغبة في الأمان، ويصير الباب رمزا لقلق لم يُحل أكثر منه خيارا مفتوحا.

القرار المؤجَّل: حين تتحول النية إلى دائرة.

يشير إريك فروم في تحليله للحرية إلى أن الإنسان قد يهرب من تبعات الاختيار حين يشعر أن الاستقلال يضعه وجها لوجه أمام مسؤولية ثقيلة. في هذا السياق يبدو القرار عند المصاب بمتلازمة الباب الدوّار قرارا شكليا يُتخذ بالعقل، لكنه لا يُحسم وجدانيا. لذلك يبقى معلقا، قابلا للإلغاء والعودة والمراجعة اللانهائية.
ونراها في علاقات تنتهي ثم تُستأنف، في استقالات تُعلن ثم تُسحب، وفي مواقف فكرية تُرفع شعارا ثم تُفرغ من مضمونها. الحركة حاضرة لكن الاتجاه مفقود، كما لو أن صاحبها يدور حول ذاته بدل أن يتقدم.

الخوف المزدوج: فقدان الآخر… وفقدان الذات.

تكمن المفارقة النفسية في أن هذا النمط لا تحركه رغبة واحدة بل خوفان متوازيان: الخوف من الفقد، والخوف من الاكتمال. فالمغادرة النهائية تعني الاعتراف بانتهاء مرحلة، بينما الاكتمال يعني تحمّل نتائج القرار بما فيها الألم أو الوحدة أو الفشل المحتمل.

يرى كارل يونغ أن ما لا يُوعى به في الداخل يعود ليظهر في الخارج كقدر متكرر. وهنا يصبح الباب الدوار تعبيرا رمزيا عن صراع داخلي لم يُحسم، عن ذات تخشى المواجهة أكثر مما تخشى الخسارة.

الجذور النفسية العميقة.

غالبا ما ترتبط متلازمة الباب الدوّار بتجارب سابقة لم يقع فيها الفقد بشكل صحي: انفصال غير مُعاش حتى نهايته، خسارة لم يُسمح بعدها بالحزن، أو قرارات فُرضت بدل أن تُختار. وفي هذا الإطار يوضح جون بولبي رائد نظرية التعلّق أن أنماط التعلّق غير الآمن تجعل الفرد متذبذبا بين القرب والانسحاب، بين الرغبة في الارتباط والخوف منه.

وهكذا لا يعود الدخول والخروج اختيارا حرا، بل استجابة شرطية لخوف قديم يتخفى في صورة تردد معاصر.

السياق الاجتماعي: حين يصبح التراجع مقبولا.

لا يمكن فصل هذه المتلازمة عن محيطها الاجتماعي. ففي زمن “السيولة” الذي تحدث عنه زيغمونت باومان، فقدت العلاقات والالتزامات صلابتها، وصار الانسحاب أسهل من المواصلة، والعودة أقل كلفة من البدء من جديد. ثقافة الخيارات المفتوحة باستمرار تُغري بالبقاء قرب الأبواب حيث لا التزام كامل ولا قطيعة نهائية.
وتحت هذا الضغط يُعاد تعريف المرونة بوصفها فضيلة مطلقة حتى حين تتحول إلى عجز عن الثبات. هكذا يتحول التردد من حالة فردية إلى نمط جماعي مُطبع.

الكلفة النفسية للدوران المستمر.

قد يبدو الباب الدوّار آمنا لأنه لا يُغلق خلفنا، لكنه في الحقيقة يستنزف ببطء. فالتردد المزمن يُضعف الثقة بالذات، ويشوّش الإحساس بالهوية، ويُبقي الفرد في حالة استعداد دائم دون وصول. ومع الزمن تتراكم البدايات غير المكتملة، ويشعر الإنسان أنه عاش محاولات كثيرة دون أن ينجز مسارا واحدا.

وقد ربط سورين كيركغارد القلق بذلك الشعور الدوّار الذي يصيب الإنسان حين يرى إمكانات كثيرة دون أن يختار إحداها. ويصبح الباب الدوار صورة حية لقلق الحرية حين لا تُترجم إلى فعل.

من التذبذب إلى الوعي بالاختيار.

الخروج من متلازمة الباب الدوّار لا يعني التسرع في إغلاق الأبواب، بل الجرأة على سؤال الذات: ما الذي أخشاه في المغادرة؟ وما الذي أتهرب منه في البقاء؟ حين يُفهم الخوف بدل إنكاره، ويتحول القرار إلى فعل واعٍ لا إلى رد فعل، يبدأ المسار في الاستقامة.

فالقرار الناضج كما يرى فيكتور فرانكل لا يُقاس بمدى خلوّه من الألم، بل بمدى انسجامه مع المعنى الذي يمنحه الإنسان لحياته.

متلازمة الباب الدوّار إذن ليست ضعفا في الإرادة بقدر ما هي ارتباك في البوصلة الداخلية. لكنها تظل فرصة ثمينة لمراجعة علاقتنا بالاختيار، بالخسارة وبالمسؤولية. فالحياة لا تُبنى على كثرة الأبواب التي نطرقها، بل على تلك التي ندخلها بوعي، ونغلقها خلفنا بسلام. لا هروبا بل احتراما لمسار اخترناه ونضجنا فيه.

قم بكتابة اول تعليق

اترك رد